تم توظيفي لمجالسة رجل عجوز كفيف ومعزول كل يوم أحد، و لكن كان هناك شرط واحد للوظيفة وهو التظاهر بأنني حفيدته

لمحة نيوز

​ذهبت إلى جنازته وبكيت هناك بحرقة ودموع انهمرت أكثر بكثير مما كنت أتخيل. لم أكن أبكي لأنني خسرت وظيفة أو مصدر دخل، بل كنت أبكي لأنني شعرت بصدق أنني فقدت فردًا من عائلتي، قطعت رحيله نياط قلبي.

​في مكتب المحامي: المفاجأة الكبرى

​بعد أسبوع من الجنازة، تلقيت مكالمة هاتفية غير متوقعة. كان المتحدث محامي العائلة، وطلب مني الحضور فورًا إلى مكتبه. اعتقدت في البداية أن هناك خطأ ما، أو أنهم يريدون استرداد أموال أو أوراق، لكن لم يكن هناك أي خطأ.

​عندما وصلت إلى المكتب، وجدت عددًا من أفراد عائلة عم حسين يجلسون هناك بالفعل. كان الجو داخل الغرفة مشحونًا، باردًا، ومليئًا بالتوتر والنظرات الحادة الموجهة نحوي.

​فتح المحامي ملفًا جلديًا كبيرًا كان أمامه، ثم رفع عينيه ونظر إليّ مباشرة وقال بصوت جهوري:

​"قبل أن يتوفى عم حسين، ترك تعليمات أخيرة ووصية خاصة جدًا بخصوصكِ أنتِ."

​في تلك اللحظة، التفت الجميع في الغرفة لينظروا إليّ بنظرات تملؤها الغيرة والترقب، وساد الصمت التام والقاتل أرجاء المكان.

​ثم بدأ المحامي في القراءة، ليكشف عن سر وصدمة هزت كل شخص كان يجلس في ذلك المكتب...

 

عدّل المحامي نظارته الطبية ببطء، ونظر حوله في أرجاء الغرفة بملامح جادة، ثم قال بصوت رصين:

"لقد أوصاني عم حسين أن أقرأ هذا الخطاب بالضبط كما كتبه بيده، دون تغيير كلمة واحدة."

​لم يتحرك أحد في المكتب. كنت أشعر بنظرات عائلته كلها وهي تخترقني كالسيدان الحادة.

​ثم قام المحامي بفض الخطاب المكتوب بخط اليد، وبدأ يقرأ:

​"إلى عائلتي.. في الوقت الذي تسمعون فيه هذه الكلمات، سأكون قد رحلت عن هذا العالم. هناك شيء يجب على الجميع معرفته؛ الفتاة الشابة التي تجلس بينكم الآن... ليست حفيدتي."

​في تلك اللحظة، سرت همهمة وهمسات غاضبة ومتفاجئة في أرجاء الغرفة. شعرت بوجهي يشتعل خجلاً وناراً، ونكست رأسي إلى الأرض وعيني لا تفارق السجادة. طوال ثلاث سنوات وأنا أعيش في رعب من هذه اللحظة بالذات.

​لكن المحامي تابع القراءة:

​"لقد كنت أعرف هذه الحقيقة منذ أول يوم خطت فيه قدمها عتبة منزلي."

​فجأة، عاد الصمت القاتل ليرتسم في الغرفة، ورفعت رأسي بسرعة وبذهول أنظر إلى المحامي الذي استمر في القراءة:

​"صحيح أنني فقدت بصري، لكنني لم أفقد عقلي أبدًا. كان صوتها مختلفًا، وعاداتها مختلفة، وحتى الطريقة الدادئة التي كانت تمسك بها يدي لتساعدني كانت مختلفة تمامًا."

​حبست أنفاسي ولم أعد قادرة على التنفس.. عم حسين كان يعلم! طوال هذا الوقت!

​تابع المحامي وهو يخفض نبرة صوته لتصبح أكثر دفئاً:

​"في أول يوم أحد جاءت فيه لزيارتي، أدركت فوراً اللعبة التي خططت لها ابنتي. ولكنني أدركت شيئاً آخر أيضاً... هذه الفتاة الشابة كانت مرعوبة وخائفة للغاية. كانت تظن أنها تخدعني، بينما في الحقيقة، قضت ثلاث سنوات كاملة وهي تمنحني شيئاً عجزت عائلتي بأكملها عن منحي إياه: وقتها."

​على الجانب الآخر من الغرفة، بدأت ابنة عم حسين في البكاء بصمت.

​"كانت تستمع إليّ عندما لم يكن هناك أحد مستعد للاستماع. كانت تبقى بجانبي عندما كان الجميع يغادرون. وكانت تضحك على قصصي القديمة من قلبهما، حتى لو كانت قد سمعتها مني للمرة العاشرة."

​في تلك اللحظة، مرت أمامي ذكريات تلك الأيام.. مباريات الشطرنج التي كنا نلعبها، والمشي في حديقة المنزل، وقصصه عن زوجته الراحلة.. كل تلك اللحظات التي تحولت لتصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتي.

​ثم قرأ المحامي السطر التالي:

​"العائلة لا تحددها رابطة الدم دائماً، أحياناً يحددها أولئك الذين يختارون البقاء بجانبك. ولذلك، فإن تعليماتي الأخيرة بسيطة للغاية: أعطوها الصندوق المصنوع من خشب الأرز الموجود في مكتبتي الخاصة."

​الصندوق الخشبي

​أغلق المحامي الرسالة، وبدت علامات الحيرة والتعجب على وجوه الجميع. عقد أحد أبناء أشقاء عم حسين حاجبيه بضيق وقال: "هذا كل شيء؟ صندوق خشب؟"

​أومأ المحامي برأسه وقال: "نعم، هذا كل شيء."

​ثم مد يده إلى جانب مكتبه، ورفع صندوقاً خشبياً صغيراً وضعه أمامي. كان الصندوق قديماً، تظهر عليه علامات الزمن، ومصقولاً بعناية.

​كانت يداي ترتجفان بشدة وأنا أفتحه. وعندما نظرت بداخله، وجدت عشرات الصور الفوتوغرافية القديمة؛ صور لعم حسين في مراحل مختلفة من حياته، صورته بزيه العسكري أيام حرب أكتوبر، وصور لزوجته الراحلة، وصور لأعياد الميلاد واللقاءات العائلية.

​وتحت كل هذه الصور، كان هناك ظرف مغلق ومكتوب عليه اسمي: "إلى منة".

​فتحت الظرف بعناية، ووجدت بداخله رسالة أخرى موجهة لي أنا فقط. بدأت تقرأ:

​"عزيزتي منة، بما أنكِ تقرئين هذه السطور الآن، فقد علمتِ بالتأكيد أنني كنت أعرف الحقيقة."

​ضحكت رغماً عني من بين دموعي التي انهمرت.. بالطبع كان يعلم!

​"شكرًا لكِ لأنكِ أعطيتِ لرجل عجوز أسباباً تجعله يتطلع ليوم الأحد من كل أسبوع ويهون عليه انتظاره. يعتقد الناس غباءً أن العمى يعني العيش في الظلام، لكنهم مخطئون؛ فالجزء الأكثر ظلاماً ورعباً في الشيخوخة هو الوحدة. وأنتِ، أعدتِ الضوء والنور إلى حياتي مجدداً."

​في أسفل الرسالة، وجدت مفتاحاً صغيراً مثبتاً بالشريط اللاصق على الورقة.

رفعت عيني نحو المحامي وسألته بنبرة حائرة: "ما هذا المفتاح؟"

​ابتسم المحامي وقال: "لقد توقع عم حسين سؤالكِ هذا." ثم فتح ملفاً آخر وأردف: "هناك صندوق أمانات محفوظ باسمكِ في البنك الأهلي، وكل ما بداخل هذا الصندوق أصبح ملكاً لكِ قانونياً."

​تعالت شهقات الصدمة والاعتراض في الغرفة، وتبادل أفراد العائلة النظرات الذهولة والغاضبة. شعرت بالاضطراب وقلت بسرعة: "لكنني لا أريد أمواله! لم آتِ لأجل هذا!"

​هز المحامي رأسه مطمئناً إياي: "إذن سيرتاح بالكِ عندما تعلمين أن ما بالداخل ليس مالاً."

​الإرث الحقيقي

​بعد أسبوع، ذهبت إلى البنك وفتحت صندوق الأمانات. ولم أجد داخله ذهباً أو نقوداً، بل وجدت مجموعة كبيرة من المذكرات والدفاتر الشخصية، مذكرات تغطي ما يقرب من أربعين عاماً من حياته. كانت تحتوي على مذكرات عم حسين الشخصية، قصصه، ذكرياته في الحرب، وتفاصيل حياته بالكامل.

​وفي الصفحة الأخيرة من الدفتر الأخير، كانت هناك ورقة صغيرة مكتوب فيها:

​"الشخص الذي استمع إليّ بصدق وقلب نابض، هو الوحيد الذي يستحق أن يحتفظ بهذه القصص."

​في تلك اللحظة انهمرت دموعي، وجلست في تلك الليلة أقرأ تلك المذكرات حتى شروق الشمس.

​بعد عدة أشهر، وبموافقة من عائلته بعد أن هدأ كل شيء، تواصلت مع دار نشر لتحويل تلك المذكرات والقصص الحربية والإنسانية إلى كتاب مطبوع. حقق الكتاب نجاحاً كبيراً، وساعدتني العائدات المالية والأرباح في دفع تكاليف علاج أخي نوح بالكامل.

​أمي لم تعد مضطرة للاختيار بين شراء الدواء أو شراء الطعام والملأ؛ وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، استطعنا في منزلنا أن نتنفس الصعداء ونشعر بالأمان المادي.

​لكن الهدية الأعظم التي تركها لي عم حسين لم تكن المال أو نجاح الكتاب. كانت معرفة أنه رآني على حقيقتي، بكل تفاصيلي؛ كان يعلم أنني لست حفيدته، وكان يعلم السبب الحقيقي والظروف الصعبة التي دفعتني لقبول هذه الوظيفة في البداية. كان يعلم بالخوف، والذنب، والصراع الذي كان يدور بداخلي، ورغم كل ذلك... اختار أن يحبني ويحتويني كما أنا.

​الآن، وفي كل يوم أحد، أذهب لزيارة قبره وأضع عليه زهوراً نضرة. أجلس بجانب الشاهد وأتحدث معه عن حياتي، وعن أخي نوح وصحته التي تحسنت، وعن دراستي الجامعية، وعن كل شيء حدث معي.

​أحياناً أشعر أن ما أفعله قد يبدو غريباً، ولكنني أتذكر فوراً ذلك الرجل العجوز الطيب الذي قضى ثلاث سنوات يتظاهر بعدم معرفة السر، لأنه كان يدرك شيئاً أكثر أهمية وعمقاً من الخداع:

​أن الحب لا يبدأ دائماً بصداقة أو صراحة مطلقة... ولكنه يمكن أن يصبح حقيقياً وصادقاً مع الوقت. وبطريقة ما، فإن ما بدأ كـمجرد "وظيفة" لكسب المال، تحول ليكون أجمل وأقرب علاقة عشتها مع شخص كان بمثابة جدي الحقيقي.

 

تم نسخ الرابط