تم توظيفي لمجالسة رجل عجوز كفيف ومعزول كل يوم أحد، و لكن كان هناك شرط واحد للوظيفة وهو التظاهر بأنني حفيدته
. "عملتُ لمدة ثلاث سنوات كاملة في مهمة غريبة؛ كنت أزور رجلاً عجوزًا كفيفًا كل يوم أحد، وأتظاهر أمامه بأنني حفيدته. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن أثناء تلك السنوات، بل يوم جنازته. فبعد وفاته، وقف محاميه وسط أفراد عائلته جميعًا، ثم نظر إليّ مباشرة وقال: «قبل أن يرحل، ترك هذا الرجل رسالة خاصة لكِ أنتِ وحدكِ». عندها فقط اكتشفت الحقيقة التي زلزلت عالمي كله………..
البداية الصعبة
منذ ثلاث سنوات، كانت حياتي تنهار تمامًا.
كنت أصارع لأتخرج من الجامعة، وفي نفس الوقت كنت أقبل بأي وردية عمل إضافية أجدها في طريقي. أمي كانت تربيني أنا وأخي الصغير بمفردها، وكان كل دخلها تقريبًا يذهب مباشرة لدفع الفواتير الطبية والمصاريف العلاجية.
أخي الصغير، نوح، كان يعاني من مشاكل صحية خطيرة جدًا.
كل شهر كان يأتي بموعد جديد مع طبيب، وبعلاج جديد، وبفاتورة مستشفى جديدة لم نكن نملك حتى القدرة على مواجهتها أو النظر إليها.
في إحدى الليالي، دخلت المطبخ ورأيت أمي تجلس أمام الطاولة، شاردة وتحدق في ظرف المستشفى. لم تقل كلمة واحدة. كل ما فعلته هو أنها أمسكت بالورقة بين يديها المرتعشتين، ثم بدون أي صوت، طوتها ودستها تحت كومة من الفواتير الأخرى غير المدفوعة.
كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها أمي تبدو مهزومة ومكسورة تمامًا.
ولم أنسَ ذلك المشهد أبدًا.
لذلك، في وقت متأخر من تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع في المنزل، فتحت كمبيوتري المحمول وبدأت أبحث على الإنترنت عن أي عمل إضافي. أي شيء مهما كان:
- إعطاء دروس خصوصية.
- مجالسة الأطفال.
- تنظيف البيوت.
لم يكن الأمر يهم، ولم أكن أملك رفاهية الاختيار؛ فنحن كنا نحتاج إلى المال بأي طريقة.
الإعلان الغريب
في تلك اللحظة، عثرت على إعلان غريب ومريب لدرجة أنني كدت أضحك بسخرية.
كانت هناك عائلة غنية تبحث عن فتاة شابة لتقضي أيام الأحد مع رجل مسن، كفيف، وأحد أبطال حرب أكتوبر القدامى. والمفاجأة أن الأجر المعروض كان خياليًا وممتازًا لدرجة لا تُصدق، أكثر مما يمكنني كسبه من أي وظيفة أخرى في العالم.
لكن... كان هناك شرط واحد غريب:
يجب على الفتاة أن تتظاهر بأنها حفيدته.
جلست مكاني أُحدق في الشاشة لوقت طويل. جزء مني شعر بعدم الارتياح والوجل، وجزء آخر شعر بالخجل والذنب. بدا لي الأمر كأنه كذبة وخداع، وربما تصرف قاسٍ لا يصح الإقدام عليه.
لكنني التفتُّ ونظرت إلى فاتورة المستشفى اللعينة المستلقية بجانب الكمبيوتر... وحسمت أمري وضغطت على زر "تقديم الطلب".
اللقاء الأول مع عم "حسين"
بعد أسبوع واحد، تم قبولي وتوظيفي.
التقت بي ابنة هذا الرجل المسن لتشرح لي الوضع بالتفصيل. أخبرتني أن والدها، واسمه "عم حسين"، قد فقد بصره منذ سنوات طويلة، وأن حفيدته الحقيقية كانت قد قطعت علاقتها به تمامًا وغادرت حياته ولم تتصل به منذ زمن بعيد.
قالت لي الابنة بنبرة صوت خافتة وحزينة:
"إنه يسأل عنها باستمرار دون توقف. نحن فقط لا نريده أن يقضي ما تبقى من عمره وهو يشعر بأنه منسي ومتروك وحيدًا."
لم أكن أعرف بمَ أجيبها، فاكتفيت بالإيماء برأسي والموافقة.
في يوم الأحد التالي، قدت سيارتي متوجهة إلى منزله. وما زلت أتذكر حتى اليوم كيف كنت أجلس داخل السيارة، ممسكة بعجلة القيادة بقوة وعرقي يتصبب، وأنا أتساءل إن كنت على وشك ارتكاب خطأ فادح أو جريمة أخلاقية.
عندما طرقت الباب أخيرًا، فتحه لي رجل عجوز تظهر عليه علامات الوقار والزمن. لم يكن يرى وجهي بالطبع، ولكن بمجرد أن سمع صوت حركتي، ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وواسعة.
قال بترحيب حار: "أخيرًا جئتِ يا حبيبتي.. أهلاً بكِ."
في تلك اللحظة، انقبضت معدتي بشدة وشعرت بالغثيان من نفسي، وقلت بصوت مرتجف: "أهلاً... يا جدو."
شعرت بالكلمة غريبة وثقيلة في فمي. كانت مزيفة، ومصطنعة، وكأنني لصة تسرق مكان شخص آخر في قلبه. لكنه لم يلاحظ شيئاً، بل امتدت يده لتمسك بيدي بدفء ودعاني للدخول.
عندما تحولت الكذبة إلى حقيقة
في البداية، كانت كل محادثة بيننا تبدو وكأنها مشهد مسرحي أؤديه رغماً عني. كنت أعيش في رعب دائم وخوف مستمر من أن يكتشف الحقيقة أو يمسك بخيوط كذبتي.
لكن حدث شيء لم أكن أتوقعه أبدًا.
لم يشك فيّ للحظة واحدة، ولم يوجه لي سؤالاً واحداً ينم عن الريبة. بدلاً من ذلك، فتح لي قلبه وبدأ يشاركني تفاصيل حياته بأكملها. حدثني عن سنوات خدمته في الجيش وبطولاته في الحرب، وعن زوجته الراحلة التي كانت أكثر إنسان أحبه في حياته، وحدّثني عن ندمه، وعن قراراته، وعن الدروس القاسية التي علمها له الزمن.
وهكذا، أحدًا بعد أحد، كنت أعود إليه دائمًا.
في البداية، كنت أذهب لأنني كنت بحاجة ماسة إلى المال لإنقاذ أخي. ولكن مع مرور الوقت، أصبحت أذهب لأنني كنت أريد حقًا رؤيته وسماع صوته. في مكان ما على طول هذا الطريق، توقفت الكذبة عن كونها كذبة؛ فأصبحت المحادثات بيننا حقيقية وخارجة من القلب، والضحكات أصبحت صافية، والرابطة التي جمعتنا أصبحت أقوى من أي وقت مضى.
لم أعد أزوره لأنني أتلقى أجرًا على ذلك، بل أصبحت أزوره لأنني أحببته وتعلقت به. وبطريقة ما، أصبح هذا الرجل العجوز الكفيف والمعزول واحدًا من أهم الأشخاص في حياتي كلها، وبمثابة جدي الحقيقي.
اللحظات الأخيرة والفراق
ثم بدأت صحته تتدهور فجأة.
في كل يوم أحد كنت أذهب فيه إليه، كان يبدو أضعف قليلاً من الأسبوع الذي قبله، وأكثر هدوءًا، وأكثر هشاشة.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أقوم بتعديل الغطاء والصوف فوق ركبتيه وهو جالس على كرسيه، أمسك بيدي بقوة غير متوقعة، ونظر باتجاهي بعينيه المطمئنتين وقال لي كلمات لن أنساها ما حييت:
"أنتِ جعلتِ سنوات عمري الأخيرة تستحق أن تُعاش."
في تلك اللحظة، كدت أنفجر بالبكاء وأعترف له بكل شيء، لكنني تماسكت.
بعد بضعة أشهر، صعدت روحه إلى بارئها وتوفي عم حسين.