طول 28 سنة أبويا كان بيناديني بنت الحرام
المحتويات
أنا فين؟
مارتا وقفت بصعوبة وراحت لصندوق حديد قديم جنب الشباك. من تحت شيلان قديمة وفواتير علاج، طلعت دوسيه بني متقفل ببلاستيك.
وقالت أنا شلت نسخ.. مش كل حاجة، بس اللي يكفي.
كان جوه الدوسيه ورقتين إخطار ولادة.. بصمتين لرجليتن عيلين صغيرين.. اسمين للأمهات.. وصورة أبيض وأسود قديمة وممسوحة لدرجة إنك بالعافية تشوف الملامح.
شاورت مارتا بصابعها على العيل اللي في الصورة دي كانت بنت مدام ميرفت الألفي.
أمي لمست الصورة بصوابع بترتعش.. وهناك، على الرقبة الصغيرة، كأنها شرارة سابها ربنا كعلامة، كانت في وحمة صغيرة على شكل شعلة نار.
أمي انهارات واترمت في حضن جدتها. وأنا فضلت قاعدة متثبتة في مكاني.. حياتي كلها كانت إجابة على السؤال الغلط.. عاصم كان دايماً بيسأل أنتِ بنت مين؟ في حين إن السؤال الصح كان مين اللي أخد بنت ميرفت؟
مارتا ناولتنا آخر ورقة في الدوسيه.. كانت ورقة تحويل، مكتوب فيها سطر واحد بالحبر الأزرق
ملجأ مؤقت، دار نور الحياة للمغتربات والمطلقات، القاهرة القديمة.
وتحت السطر ده، كان في ملحوظة مكتوبة بخط مارتا المرعش بعد سنين طويلة
البنت اتشافت مرة واحدة.. السن تقريباً 6 سنين.. الاسم الجديد تارا.
نفسي انقطع.. تارا!
في مكان ما، بنت أمي ليها اسم.. في مكان ما، في بنت برقبتها شعلة نار عايشة حكاية مش حكايتها، وجوا قصة ناس تانية.
أمي رفعت راسها وعينيها فيها جنون ودوني ليها.. خدوني لبنتي.
جدتي مسحت دموعها يا ميرفت احنا منعرفش هي فين دلوقتي بعد السنين دي كلها.
وش مارتا اتقلب وبان عليه خوف تاني خالص.. خوف مش من الماضي، خوف من اللي بيحصل دلوقتي في حاجة تانية لازم تعرفوها.. أنا مش خايفة منكم أنتوا بس.
بصت لي وهمست من أسبوعين.. في حد جه هنا، وكان بيسأل على نفس الدوسيه ونفس الملف ونفس البنت.
طارق قرب منها بسرعة مين؟ مين اللي جه؟
مارتا مدت إيدها جوه الدوسيه وطلعت كارت شخصي صغير Business Card.. الاسم المطبوع عليه خلى الدم يقف في عروقي ويسقع زي التلج
كريم الألفي.
أخويا.. الابن الذهبي المدلل.. الراجل اللي كان بيوطي عينه في الأرض كل ما أبويا يشتمني ويقولي يا بنت الحرام.. الراجل اللي كان عارف يدور فين ومن قبلنا كلنا!
أمي بحلقت في الكارت، ووشها فضي تماماً من الدم.
وفي نفس اللحظة.. تليفوني رن.. رقم غريب ومش مسجل.
رديت من غير ما أفكر.. ومن غير ما أنطق.
لمدة تلات ثواني، مكنش في غير صوت نفس عالي ومتردد على الخط.. وبعدين صوت ست طلع، صوت هادي وبيترعش شاهيناز الألفي؟
أيوة.. أنا.. مين معايا؟
أنا اسمي تارا.
أمي قفشت في معصم إيدي لدرجة الوجع، والبنت اللي على الخط بدأت تعيط وتشهق أنا.. أنا أظن إني بنت ميرفت الألفي.
وقبل ما أقدر أنطق، وقبل ما أمي تتخطف التليفون مني، وقبل ما أي حد فينا ياخد نفسه.. تارا همست بالكلمة اللي قسمت دنيتنا نصين للمرة التانية
أرجوكي.. أوعي تثقي في كريم.. هو اللي وصلى الاول .
سحبت أمي التليفون من إيدي وجنون الدنيا كله في عينيها، صرخت في السماعة وصوتها شرخ لدرجة هزت الأوضة الصغيرة تارا؟ أنتِ فين يا بنتي؟ ردّي عليا.. كريم عملك إيه؟
الخط قطع.
صوت الصفارة الباردة بتاعة قفل الخط خلت الأوضة ترجع لسكون مرعب. حاولت أتصل تاني، الرقم الذي طلبته غير متاح حالياً. جربت مرة، اتنين، تلاتة.. مفيش فايدة. التليفون اتقفل.
بصيت لطارق وجدتي، النظرات مكنتش محتاجة كلام. كريم، الأخ الكبير اللي عاش طول عمره عاقل ومثالي ويقول حاضر ونعم لأبويا، كان بيلعب لعبة تانية خالص ومن ورا ظهر الكل.
سيبنا بيت الممرضة مارتا ونزلنا السلم جري، وطارق كان بيحاول يهدي أمي اللي كانت بتترعش في العربية كأنها جالها حمى. طول الطريق من مصر القديمة لحد ما وصلنا فيلا الزمالك تاني، الأسئلة كانت بتاكل في دماغي كريم عرف منين؟ وليه دور على تارا؟ والأهم.. ليه تارا بتقول متحطوش إيدكم في إيده؟
دخلنا الفيلا زي الإعصار. الساعة كانت دخلت على 11 بالليل. الأنوار كلها كانت مطفية ما عدا صالون الدور الأرضي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا كريم قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وقدامه كاس مياه مثلجة، وبكل برود كان بيلعب في تليفونه. مراته مكنتش موجودة، وعاصم الألفي مكنش ليه أي أثر في البيت، كأنه اختفى بعد فضيحة النادي.
أمي مشت ناحيته وبدون أي مقدمات، نزلت بكف إيدها على وشه بقلم سمع في أركان الفيلا بنتي فين يا كريم؟ بنتي فين يا غدّار؟
كريم حط إيده على خده، ملامحه متهزتش، ولا حتى اتفاجئ. قام وقف وبص لأمي ببرود يقهر بنتك الحقيقية ماتت من زمان يا أمي.. الست اللي اسمها شاهيناز دي هي اللي فضلالك، عيشي معاها واحمدي ربنا.
خطيت خطوة لقدام وزعقت فيه تارا كلمتني! تارا لسة قافلة معايا وقالتلي إنك وصلت ليها! بتكذب ليه؟ وليه رحت للممرضة من أسبوعين؟
كريم بصلنا، وفجأة ضحك.. ضحكة خبيثة مطلعهاش طول ال 30 سنة اللي عاشهم وسطنا. قعد تاني وسند ضهره عوزاني أقولك ليه؟ لأن أبوكي.. عاصم الألفي.. كتب كل أملاكه، الشركات، الأراضي، وفيلل الساحل وأكتوبر باسمي وباسم ولادي من أسبوعين.. كتب كل حاجة لابنه البيولوجي الوحيد والشرعي.
جدتي ليلى ضربت بعصايتها في الأرض وإيه علاقة ده بتارا يا كريم؟
بص لجدتي وقال علاقة قوية يا جَدتي. أبويا عاصم كتب في عقد البيع والشراء والوصية بند.. إن لو ثبت بأي شكل، وفي أي وقت، إن ميرفت الألفي ليها خلفة تانية بيولوجية من صلبه أو حتى ظهرت بنتها الحقيقية، النصيب الأكبر من المحلات والأسهم هيروح ليها فوراً كنوع من رد الشرف الإجباري اللي صممه المحامي القديم للعيلة.. أبويا مكنش يعرف إن البنت عايشة، هو كتب البند ده من باب التفاخر والثقة
أمي صرخت يعني بعت أختك عشان الفلوس؟ حبستها فين؟
كريم وقف، ووشه بقى قاسي محبستهاش في حتة.. تارا كانت شغالة ممرضة برضه، في مستشفى حكومي غلبان في السيدة عائشة. أنا رحتلها، وعرضت عليها شيك ب 5 مليون جنيه عشان تأخذ بعضها وتسافر برا مصر، وتقفل القصة دي للأبد ومتقربش من عيلة الألفي. البنت غلبانة وخافت لما شافت نفوذي، لكن الظاهر لما شافت صورتك يا شاهيناز في الأخبار وعرفتك، طمعت أو خافت أكتر وكلمتك.. بس خلاص، اللعبة خلصت، هي دلوقتي في طريقها للمطار.. ومحدش هيعرف مكانها.
طارق مسك كريم من قميصه وهزه بعنف أنت بني آدم زبالة! وحيات أمي ما هسيبك!
كريم زق إيد طارق بثقة هتعمل إيه يا باشمهندس؟ مفيش أي إثبات جنائي ضد خطف أو حجر.. البنت ماشية بمزاجها والشيك معاها. والورق اللي معاكم؟ بلّوه واشربوا ميّته.. الثروة والفيلا دي باسمي.. والبيت ده من بكرة الصبح مش عاوز أشوف فيه وش واحدة فيكم.. لا أنتِ يا أمي، ولا البنت اللقيطة دي!
في اللحظة اللي كريم كان بيطردنا فيها من جنته المزيفة، تليفون طارق رن.
طارق بص في الشاشة وتحرك
متابعة القراءة