في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن

في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن

لمحة نيوز

هناك.
المكان ساد فيه صمت تقيل زي الجبل. محدش نطق. لحد ما جيهان، والسم نازل من بين سنانها، رمت أوسخ كلمة ممكن تتقال
عارفة يا مريم؟ كل الفيلم ده عشان إنتي غيرانة! هتموتي من الغل عشان أنا هجيب بيبي وإنتي ابنك مات بالإهمال! إنتي واحدة معقدة وعايزة تنكدي علينا كلنا وتعيشينا في قرفك!
جوزها شريف وشه ابيض وخاف، وأبوها وطى رأسه الأرض من الكسوف. بس الغريبة إن محدش فيهم، ولا حتى أمها، نطق ولا زعق لجيهان عشان تحترم حرمة الميت والطفل اللي ملحقش يتدفن.
الجو اتملا قرف. مريم محسّتش بوجع، حست باشمئزاز ونظافة. نظافة غسلت روحها من كل علاقة بيهم.
مريم قالتلهم اطلعوا برة بيتي وبرا أرضي حالاً، وإلا هطلب شرطة النجدة تكلبشكم وترميكم برة.
جيهان وهي بتتراجع لورا صرخت إنتي شيطانة! أنا هفضحك على الفيسبوك والجروبات ومش هسيبك، هخلي سيرتك على كل لسان!
مريم ردت انشري يا حبيبتي، أنا مستنياكي، ورزعت الباب في وشهم.
بعد أسبوعين، الدراما وصلت للفيسبوك فعلاً. جيهان كتبت بوست طويل عريض بتعمل فيه دور الضحية والشهيدة. كتبت إن أختها المريضة نفسياً والمجنونة رمت واحدة حامل في الشارع، وقطعت مصاريف أبوها وأمها العواجيز، وإن الحزن عمى قلبها وحولها لشيطانة.
الكومنتات بدأت تتملي من خالات وعمات وجيران ميعرفوش حاجة وعمالين يشتموا في مريم ويقولوا يا لطيف على قساوة القلب.
بس وسط العاصفة دي، مدرس مازن دخل وكتب كومنت واحد صغير ومباشر
عفوًا يا مدام جيهان.. مش أنتوا برضه اللي كنتوا بتصيفوا وتتفسحوا في الساحل في نفس اليوم والساعة بتاعة دفنة الصغير مازن اللي عنده 12 سنة؟
الكومنت ده قلب الدنيا زي الحريقة في القش. الجيران، وزمايل شريف القدام في البنك، وأمهات العيال في المدرسة دخلوا يطالبوا بفهم الحقيقة يعني إيه مصيف؟ يعني إيه مروحوش يدفنوا الولد؟
هنا بقى مريم رمت ضربتها القاضية. دخلت وحطت كومنت واحد فيه الخلاصة
جيهان، إنتي عندك حق في حاجة واحدة أنا فعلاً قطعت العيلة دي. بس العيلة دي اتقطعت لما الأربعة بتوعكم قرروا إن سفرية الساحل والبلبطة أهم من وداع ابني. اتقطعت لما قولتيلي إن موته مشكلتي أنا مش مشكلتك. أنا مرفقالكم هنا السكرين شوتس لستوريهاتكم على البحر بالتاريخ والوقت وبالميلّي مع وقت الجنازة. أتمنى تكون الفسحة عجبتكم، لأنها كلفتكم أخت وبنت طول العمر.
مريم نزلت ال 15 سكرين شوت كاملين. ومكنش فيه داعي لأي كلمة زيادة.
السوشيال ميديا قامت مقلوبتش. البوست اتقلب لساحة جلد وجحيم لجيهان وأبوها وأمها. الناس بهدلتهم لدرجة إن جيهان قفلت حسابها بعد كام ساعة من كتر الشتايم والدعاء عليهم. بس الفضيحة كانت خلاص انتشرت وبقت سكرين شوتس بتلف في كل جروبات الواتساب بتاعة المنطقة والإسكندرية كلها.
أمها الحاجة كريمة بعتتلها فويس نوت وهي بتعيط وبتترجاها توقف الفضيحة دي وسط الناس. مريم عملتلها بلوك. أبوها الحاج رأفت حاول يجيلها مكان شغلها القديم عشان يكلمها، مريم بلغت الأمن يطردوه برة المبنى. شريف جوز أختها بعتلها إيميل بيقولها إن جيهان جيلها إنذار بالإجهاض من كتر التوتر، مريم خدت الإيميل ورمته في ال Spam علطول.
في نفس الشهر، مريم أجّرت شقة سموحة لطلبة مغتربين بيدفعوا الإيجار في وقته بالمليم. وباعت بيتها اللي كانت عايشة فيه مع شريف، ولمت حاجتها القليلة في عربيتها.
تبرعت بكل هدوم مازن لدار أيتام، بس احتفظت بالمضرب بتاعه، وكاب شريف المفضّل، وبطانية صغيرة كانت لسه شايلة ريحتهم. سابت الإسكندرية كلها وسوقت عربيتها من غير وجهة محددة، بعيد عن كل السم ده.
هي دلوقتي عايشة في بيت صغير مأجراه وسط الطبيعة والخضرة في سان كريستوبال في المكسيك، حتة هادية وباردة بتسكن جروحها.
ساعات، وهي بتشرب قهوتها الصبح لوحدها في البلكونة، بتفتكر يعني إيه عيلة. بتفتقد الوهم اللي كانت عايشة فيه ومصداقاه. بتوحشها الأم اللي كانت متخيلة إنها هتاخدها في حضنها في المستشفى، والأب اللي كانت فاكراه هيعيط على قبر حفيدوه، والأخت اللي كانت فاكراها سند ليها في الدنيا.
بس الحقيقة إن الطفيليات دول، اللي فضلوا البحر والمصيف على عزا ابنهم، مش واحشينها ولا ثانية واحدة.
الموت صحيح خد منها أغلى اتنين في حياتها، بس في نفس الوقت طهر حياتها من العلق اللي كانوا بيمصوا دمها وفلوسها وعمرها.
تعلمت الدرس بالطريقة الصعبة إن الاحترام مبيتطلبش، وإن الأصل والجدعنة بيبانوا في أوقات الشدة، وإن اللي يديك ضهره في وقت العاصفة، ملوش حق يطلب منك سقف يحميه لما الدنيا تروق والشمس تطلع تاني.

تم نسخ الرابط