في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن

في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن

لمحة نيوز

بس بجد إحنا مش هنلغي رحلتنا عشان الموضوع ده.
مريم ردت بصدمة ده من دمك يا جيهان! ده ابن أختك اللي عنده 12 سنة!
جيهان ردت بلؤم يا بنتي ما هو اللي مات مات، دي مصيبتك إنتي مش مصيبتي أنا! وبعدين أنا حامل في شهوري الأولى، ودي آخر فسحة ليا أشم فيها نفسي وأرتاح قبل الولادة والمسؤولية. هرموناتي متبهدلة ومش هكدّر نفسي وأبوّظ حِملي.
في اللحظة دي، مريم حست إن في حاجة جوة صدرهاحاجة كانت محبوسة ومتحملة بقالها 38 سنةاتكسرت لميت حتة، وومكنش ينفع تتصلح تاني.
مريم قالتلها بصوت هادي ومرعب اسم ابني ميتنطقش على لسانك الوسخ ده تاني طول ما إنتي عايشة.
جيهان ردت بردح متدخليش تهدديني يا حبيبتي! عايزة تغرقي في اكتئابك اغرقي لوحدك، مش ذنبي إني مبسوطة وإنتي ابنك مات!، وقفلت السكة.
الليلة دي، مريم منزلتش دمعة واحدة زيادة. مقطعتش صور، ولا صرخت. قعدت على سرير مازن، حضنت كورة القدم بتاعته، وجاتلها حالة من الصفاء الذهني الرهيب. اليوم ده مكنتش خسرت فيه عيلتها؛ اليوم ده، الأقنعة وقعت أخيراً وشافت حقيقتهم.
جنازة مازن كانت يوم الخميس الصبح. صاحبتها الانتيم غادة كانت لازقة فيها ومسابتهاش. ومُدرّس الولد كمان جيه من آخر الدنيا وعينه منفوخة من العياط، وجايب معاه إكليل ورد باسم زمايل مازن في الفصل.
والشيخ بيقرأ الفاتحة والخشبة البيضاء بتنزل جنب قبر أبوه، مريم مكنش في بالها غير حاجة واحدة. كانت بتتخيل أمها وهي بتحط كريم الشمس على البحر، وأبوها وهو بيطلب طاجن جمبري، وأختها جيهان وهي بتتصور ببطنها على الشاطئ.
بعد الدفن، غادة حاولت تاخدها في حضنها وتروح معاها البيت مش هينفع تقعدي لوحدك دلوقتي يا مريم، أنا معاكي.
مريم ردت ببرود يخوف أنا مش لوحدي يا غادة.. أنا لأول مرة من 38 سنة صاحية وفايقة.
ركبت عربيتها وطلعت علطول على الشقة اللي في سموحة؛ الشقة اللي جيهان وجوزها شريف عايشين فيها ببلاش بقالهم 4 سنين. طلعت المفتاح الأصلي وصاحب الملك ودخلت.
مكسرتش حاجة، ومعملتش دوشة؛ الموضوع كان منظم، دقيق، وقاتل. كلمت 5 عمال نقل وعربيات لوري، وادتهم ضعف الأجرة عشان يلموا كل فتوفتة في الشقة ويحطوها في صناديق كرتون. هدوم الماركات، الشاشات، العفش، وحتى سرير البيبي الجديد اللي اشتروه.. كل حاجة اتلمت.
ادتهم عنوان بيت أبو وأم جيهان، ومعاهم نسخة من المفتاح الطوارئ بتاع البيت عايزاكم ترصوا الكراتين دي كلها في نص الصالة وفي أوضة الحاج رأفت. خلوها تبان زي جبل كراكيب وزبالة.
وبعدها، كلمت نجار غير كل الكوالين، وركب أقفال حديد إلكترونية عالية الأمان، ولغى أي طريقة لدخول الشقة القديمة. الشقة دي مبقتش ملك لحد غيرها.
رجعت بيتها، فتحت اللاب توب، ودخلت على حسابها البنكي. وبدأت المجزرة المادية. ألغت التأمين الصحي الشامل اللي عاملاه لأبوها وأمها، وقفت الفيزا المشتريات الإضافية اللي أمها بتشتري بيها طلبات البيت والمنظفات، ألغت دفع فاتورة خط موبايل جيهان، واشتراك الجيم بتاع شريف جوز أختها.
المبالغ دي كانت بتوصل لحوالي 60 ألف جنيه كل شهر مريم بتدفعهم من جيبها تحت مسمى صلة الرحم وحب العيلة. وهي بتدوس على زرار إلغاء، كانت بتفتكر كل إهانة، كل تقليل، وكل مرة استغلوها فيها واعتبروها المغفلة اللي بتدفع.
في نفس اليوم بالليل، وجيهان عمالة تنزل صور الساحل والضحك، مريم خدت سكرين شوت لكل ستوري، وكل كومنت، وكل ابتسامة منافقة تحت الشمس.
بعد 3 أيام، القنبلة فرقعت. الساعة 10 بالليل، الأربعة بتوع عيلتها السابقة جم يخبطوا ويرزعوا على باب بيتها زي محصلي الديون وبيرنوا الجرس بشكل هيستيري.
مريم خدت نفس عميق، طبطبت على صندوق رماد جوزها اللي كانت لسه محتفظة بيه في الصالة مؤقتاً، وفتحت الباب بكل برود وثبات.
جيهان كانت بتصرخ ووشها أحمر من الغل، وماسكة بطنها عشان تستعطفها إنتي اتجننتي يا مريم؟! إيه اللي عملتيه في حاجتنا ده؟! مش عارفين ندخل الشقة!
مريم ردت وهي مربعة إيدها أولاً، وطي صوتك وإنتي بتتكلمي. ثانياً، دي مش شقتك، دي شقتي أنا. كنتوا قاعدين فيها بجميل ولطف من جوزي الله يرحمه. التمثيلية خلصت والستارة نزلت.
شريف جوز جيهان اتدخل وحاول يعمل فيها الراجل الحكيم المسيطر جرى إيه يا مدام مريم؟ إحنا مقدرين إنك في صدمة وفقدان، بس متوصلش إنك ترمينا في الشارع كده! إنتي بتخالفي القانون وإحنا لينا حقوق وقاعدين بقالنا سنين.
مريم ضحكت باستهزاء قانون؟ وريني هتعمل إيه يا شاطر. الشقة باسمي، ومفيش بيني وبينكم عقد إيجار واحد، وعمركم ما ادتوني جنيه، وسبتوني في عز حزني وطلعتوا تصيفوا. أعلى ما في خيلكم اركبوه.
الأم، الحاجة كريمة، بدأت تعمل فيها بتعيط من غير ما تنزل دمعة واحدة صادقة يا بنتي حرام عليكي، إحنا عيلتك، متوجعيناش العقاب القاسي ده!
مريم طلعت ضحكة ناشفة، مفيهاش أي ذرة شفقة عيلتي؟ عيلتي تحت التراب يا حاجة. جوزي مات وابني اندفن في المدافن وإنتوا بتبلعوا عصاير في الساحل. إنتوا شوية لصوص وناششي دم، مش عيلة.
الأبو، الحاج رأفت، اللي طول عمره ملوش كلمة وواقف سلبي، قال بصوت مرعوش وعينه في الأرض إحنا غلطنا يا بنتي.. بس إنتي كده قطعتي عننا المصروف.. ألغيتي الفيز والتأمين.. إحنا كبرنا في السن وبنعتمد على الفلوس دي.
مريم ردت كنتوا وفرتوا فلوس السفرية اللي صرفتوها في الساحل! كفن ابني ومدافنه مكلفونيش نص اللي صرفتوه
تم نسخ الرابط