في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن
في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها "مازن
في نفس اللحظة اللي كانت مريم واقفة فيها في المدافن، وعنيها بتودع خشبة ابنها مازن صاحب ال 12 سنة وهو بينزل في القبر البارد، كانت عيلتها في نفس الثانية قايدين الشموع وبيحتفلوا وبيشربوا عصير على شواطئ مارينا في الساحل الشمالي، قدام البحر الفيروزي وصوت الضحك مالي المكان.
محدش منهم فكر حتى يرفع سماعة التليفون ويقولها البقاء لله. مريم مكنتش هتعرف بالخيانة دي لولا الصور اللي نزلتها أختها الصغيرة جيهان على إنستجرام في نفس اليوم بعد الظهر. في الصورة، جيهان كانت لابسة فستان أصفر مبهج، وماسكة كوباية عصير في إيدها، وكاتبة تعليق يحرق قلب أي حد
الحمد لله على نعمة العيلة السند اللي دايماً واقفة مع بعض في المُر قبل الحلو.
مريم كان عندها 38 سنة، ولحد الأسبوع الأسود ده، كانت بتصدق بكل عمى إن الدم عمره ما يبقى مية، وإن الأهل هما أقدس حاجة في الدنيا. كانت فاهمة إن أبوها الحاج رأفت وأمها الحاجة كريمة ممكن يكونوا ناشفين شوية في المعاملة أو بخلاء، بس عمرها ما تخيلت إنهم يبقوا من غير قلب.
كانت دايماً تشد عذر لأختها جيهان وتقول دي لسه طايشة ومدلعة، ومكنتش شايفة إنها تعبان. وجوز أختها شريف، كانت فاكرة إن عنده دم وأصل على الأقل. بس الحقيقة، مريم كانت غلطانة في كل واحدة من الأوهام دي.
جوز مريم، شريف الله يرحمه، كان راجل من نوع خاص؛ هادي، صوته واطي بس هيبته مالية المكان. كان شغال في بنك في الإسكندرية، وكان بيموت في تشجيع النادي الأهلي، ويعشق لمتهم يوم الجمعة عشان يعملهم مشويات، ودايماً لابس قمصانه الكاروهات القديمة اللي دابت من كتر اللبس وما رضي بغيرها.
ابنهم مازن كان عنده 12 سنة، وكان واد شاطر ومقطع السمكة وديلها في مدرسته، دايماً يطلع الأول ويجيب الدرجات النهائية في شهادته، بيلعب كورة في النادي، ورغم إنه كبر، كان لسه بيسيب أمه مريم تسرحله شعره قبل ما ينزل الصبح. كانوا عايشين من غير بذخ وعربدة، بس مستورين ومبسوطين فوق الوصف.
شريف كان وارث من جدته شقة واسعة وكبيرة في منطقة سموحة في الإسكندرية. ولأنهم مش محتاجينها وعايشين في بيتهم، سابوها لأختها جيهان وجوزها من غير ما يطلبوا منهم جنيه واحد إيجار. شريف كان دايماً يقولها يا حبيبتي العيلة لازم تسند بعضها.
مش بس كده، مريم كانت هي اللي شايلة أبوها وأمها ماديًا؛ بتدفع مصاريف تأمينهم الصحي، وتشتريلهم خزين البيت كل أول شهر، وحتى عربية أبوها هي اللي صلحتها على حسابها. كانت البنت اللي بتحل كل المشاكل من سكات ومن غير ما تستنى كلمة شكراً.
لكن يوم السبت، القدر كان قاسي جداً عليهم. شريف خد ابنه مازن وخرجوا يصطادوا في الملاحات. الساعة جت 8 بالليل ومريم كانت بتلف في الصالة زي المجنونة، شريف ومازن اتأخروا وتليفوناتهم مقفولة. على الساعة 847 الصبح، الباب خبط. كانوا اتنين أمناء شرطة ومعاهم أسوأ خبر ممكن تسمعه أم في حياتها.
واحد سايق وهو سكران طار بالدفع الرباعي بتاعه وكسر الإشارة، ودخل في جنب عربية شريف بكل قوته. شريف مات في لحظتها. أما مازن، فجسمه اتهرس، وجاله نزيف حاد في المخ وغيبوبة كاملة، وبيقاويم الموت في العناية المركزة بين الحياة والموت.
مريم دفنت جوزها شريف وهي شبه لوحدها. أبوها وأمها وأختها وصلوا العزا متأخر جداً، قعدوا في آخر القاعة ووشوشهم باين عليها الزهق، ومشوا بسرعة بحجة إن وراهم حاجات مهمة لازم يلحقوا يجهزوها.
مازن قعد 6 شهور كاملة متوصل بالأجهزة في المستشفى. مريم مسابتش سريره ولا دقيقة، وعيلتها مزارتوش في ال 6 شهور دول غير 3 مرات بس، وكانوا بييجوا عينهم في الساعة ومستعجلين. لحد ما جيه صباح يوم أسود، وشاشة المونيتور بتاعة مازن طلعت صوت صفارة واحدة مستمرة ومرعبة... مازن مات.
مريم، المكسورة اللي روحها اتهدت، كلمت أمها الحاجة كريمة من المستشفى وهي بتعيط وبتترجاها تقف جنبها في إجراءات الدفن والمدافن. على الناحية التانية من الخط، كان فيه سكون رهيب وبارد.
الأم ردت بجفاء يقشعر له البدن مش هنقدر نيجي يا بنتي. إحنا مسافرين بكرة مارينا الساحل مع أختك وجوزها. حجز الفندق والبرنامج مدفوع بالكامل ومش هنضيع الفلوس دي كلها على الأرض. إنتي طول عمرك بتعرفي تتصرفي لوحدك وسدّادة.
الجزء الثاني كشف الأقنعة والرد القاتل
ماما! إنتي مستوعبة بتقولي إيه؟ مازن ده حفيدك!.. مريم كانت بتصرخ في التليفون وبتعصر الموبايل في إيدها لحد ما صوابعها ابيضت، مازن لسه ميت حالا يا ناس!
الأم ردت بصوت أنشف من الحجر وقلبي بيتقطع عليه والله يا بنتي، بس إحنا دافعين 8 آلاف دولار في السفرية دي! ومفيش ترجيع للفلوس يا مريم، افهمي بقى وبلاش تضيعي علينا الشقى.
مريم سألتها وصوتها مخنوق والهم شديد يعني إنتي عايزة تقوليلي إن قعدة البحر وأكل السمك عندك أهم من إنك تيجي تدفني حفيدك؟
الأم ردت بكل قسوة متبقيش دراما بقى وتعملي فيها ضحية. إنتي طول عمرك جامدة وبتعدي الصعاب لوحدك!، وراحت قافلة السكة في وشها من غير أي مقدمات.
مريم قعدت مذهولة، ومش مستوعبة. بعد ثواني، شاشة الموبايل نورت تاني. كانت جيهان، أختها الصغيرة.
جيهان قالتلها ببرود مفيش منه أيوة يا مريم، ماما لسه مكلماني وبتقول إنك عاملة حكاية وموال. بصي، زعلت طبعاً على مازن،