رجعت بيتي بعد نبطشية 26 ساعة في المستشفى... لقيت كنّتي حاطة تلاجة بـ100 ألف جنيه في مطبخي، وبتقولي بمنتهى البرود: (من النهارده هتشتري أكلك لوحدك... وأكلنا مالكيش دعوة بيه!)"
المحتويات
جنيه؟ في مكنة بتعمل قهوة؟!
سألتها وشيلتي حاجتي فين؟
قالت في الكراكيب اللي تحت السلم.. هي وشوية حاجات تانية من المطبخ. كنت محتاجة مساحة للحاجات الأساسية بتاعتي.
وهنا.. عيني جت على باقي المطبخ وشوفت الكارثة الأكبر...
الجزء الثاني البيت بيتنا.. وأنتِ ضيفة!
عيني لفت في باقي المطبخ والدموع اتجمدت في عيني من الصدمة..
علب الصاج الملونة اللي كنت حاطة فيها الشاي والسكر، واللي كانت جايباهم لي صاحبة عمري في عيد ميلادي.. اختفوا!
قصاري الزرع الصغيرة والنعناع اللي كنت زارعاه على الشباك وبحب أشم ريحته.. اتشالت، وتحط مكانها نبتة زينة بلاستيك باردة مالهاش روح.
حتى فوط المطبخ والمسّاكات بتاعتي اتغيرت، وتحط مكانها فوط ديزاينر رمادي في أبيض، من كتر ما هي ناشفة ومكوية تحسي إنها للعرض بس ومش للمس ولا للاستخدام!
بصيت لشاهيناز وقولت بحسم وأنا بجمع شتات نفسي شاهيناز.. إحنا لازم نتكلم. ده بيتي أنا!
مالت براسها على جنب، ورسمت على وشها نظرة غباء ومفاجأة مزيفة وقالت أكيد طبعاً يا طنط عايدة، محدش قال حاجة. بس إحنا كلنا عايشين هنا دلوقتي، وأنا كل اللي بعمله إني بنظم المساحات المشتركة عشان شكلها يبقى أحسن.
سألتها بمرارة بتحسني شكلها عشان راحة الكل؟ ولا عشان راحتك أنتِ وبس؟
قبل ما تنطق بحرف، ظهر مصطفى على باب المطبخ.. كان لسه صاحي من النوم، شعره منكوش، وعينه في الأرض مش قادر يحطها في عيني.
قال بصوت واطي صباح الخير يا أمي.
قولتله بسرعة صباح النور يا مصطفى. كويس إنك صحيت عشان نشوف التغييرات اللي مراتك بتعملها في البيت من غير ما تاخد رأيي ولا حتى تعبرني.
بص لشاهيناز بنظرة خطف كده، ورجع بص في الأرض وقال تغييرات إيه بس يا أمي؟
أخدت نفس طويل وقولت التلاجة الجديدة، ومكنة القهوة، وحاجتي اللي اتم رشقها تحت السلم وفي الكراتين! ده أنا بقيت محتاجة إذن وإمضاء عشان أستخدم أجهزة مطبخي!
هرش في وشه بقلة حيلة وقال يا أمي، شاهيناز بس بتروق وتنظم البيت.. بتعمل نظام أحسن، أنتِ عارفة يعني، النظام بيريّح.
حطت شاهيناز إيدها على دراعه بنعومة الأفاعي وبصتلي وقالت يا طنط عايدة، أنا عارفة إن التغيير بيبقى صعب على الناس اللي من جيلكم.. بس صدقيني كده أحسن بكتير. أنتِ بتشتغلي ساعات طويلة ومبقتيش ملاحقة ولا عندك وقت تديري بيت بشكل سليم.. إحنا بس بنساعدك!
بنساعدك.. الكلمة اللي بتمسح وجودي!
بنساعدك؟ بقى هي دي المساعدة؟ إنها تمسح وجودي وتلغي تاريخي من بيتي؟
سألتها وأنا حاسة بغصة في حلقي وأنا المفروض آكل إيه بالظبط إن شاء الله؟
ردت بكل برود ووداعة هتشتري أكلك لنفسك يا طنط. لسه فيه مساحة صغيرة باقية في تلاجتك القديمة للحاجات الشخصية بتاعتك. لو ركزتي في الحاجات الأساسية والضرورية بس، المساحة دي هتكفي وزيادة لشخص واحد احتياجاته بسيطة زي حضرتك.
احتياجات بسيطة!
وكأني بقيت مجرد مستأجرة أو ضيفة تقيلة في بيتي!
قولتلها بصوت حاد أنا مأقدرش أدفع فواتير البيت والكهربا والمية دي كلها لوحدي، وأروح كمان أشتري أكل منفصل لنفسي!
المطبخ فجأة ساد فيه هدوء غريب.. وقطعته شاهيناز وهي بتنعم صوتها على الآخر ولعبت المكشوف
عشان كده بقولك.. يمكن جه الوقت اللي تفكري فيه في وضعك كله يا طنط. أنتِ بتشتغلي كتير أوي بالنسبة لسنك وصحتك. يمكن لو طلعتي معاش.. أو شوفتي مكان مخصص لكبار السن دار مسنين شيك، يكون أفضل بكتير لصحتك وراحتك.
أهو قيلت! البرقع وقع!
هي مش مشكلتها مش عايزة تشاركني المطبخ.. هي عايزة البيت كله! عايزة تطردني منه!
بصيت لمصطفى.. كنت مستنية يثور، يتكلم، يدافع عن أمه اللي شقيت عشانه.
لكن الصدمة إن مصطفى بصلي وقال يمكن فعلاً يا أمي محتاجين كلنا نفكر في إيه الأحسن والأنسب للكل.
للكل.. مش ليا أنا! للكل!
في اللحظة دي، حسيت بحاجة جوايا بتتجمد وتتحول لحجر. النعومة والطيبة اللي فيا ماتت.
وقفت وقولت بجفاء أنا لازم أطلع أجهز عشان الحق شغلي.
وأنا ماشية وومدياهم ضهري، ندهت عليا شاهيناز وقالت آه.. صحيح يا طنط عايدة! ممكن بعد كده لما ترجعي من المستشفى الفجر تستخدمي الباب الوراني بتاع المطبخ؟ أصل جزمة التمريض بتاعتك بتعمل صوت خبط عالي على الخشب الباركيه وإحنا بنبقى نايمين.. ومصطفى محتاج ينام كويس عشان يعرف يركز في المقابلات وشغل الصبح.
الباب الوراني.. كأن الخدامة رجعت!
اتسمرت في مكاني.
الباب الوراني؟
يعني أدخل زي الشغالين؟
وكأن وجودي وصوت رجلي في بيتي بقى عبء وقرف هما مش طايقينه!
لفيت وقولت بصوت هادي ومكتوم حاضر.. طبعاً. مكنتش أحب أزعجكم أبداً.
طلعت فوق، قفلت باب أوضتي وسندت ضهري عليه ونفسي عالي..
من ست شهور بس، ابني جالي مكسور الجناح وبيطلب مساعدة مؤقتة عشان يقف على رجله.
ودلوقتي؟ مراته بتطردني من مطبخي، وبتاخد أكلي، وبتستولي على مكاني.. وبتدوس على كرامتي.. وابني واقف بيتفرج وموافق!
لكن شاهيناز غلطت غلطة عمرها، الغلطة اللي هتندم عليها.
عقد ملكية البيت ده.. العقد الأخضر المسجل.. لسه محطوط في درج مكتبي فوق.
واسمي أنا.. أنا لوحدي.. هو اللي مكتوب عليه.
الورقة دي هي السلاح الوحيد اللي فاضل في إيدي.. ولازم أتعلم إزاي أستخدمه وأضرب ضربتي صح، قبل ما يفكروا يسرقوا الورقة دي كمان مني!
بصيت على درج المكتب، فتحته وسحبت العقد الأخضر المسجل للبيت. شيلته في وسط ورق نبطشيات المستشفى في شنطتي، وقولت لنفسي الحرب بدأت، واللي أوله برود.. آخره ندم يا شاهيناز.
نزلت من الباب الوراني زي ما الهانم طلبت، ورحت المستشفى. النبطشية
متابعة القراءة