​كل مرة كان كريم يرجع فيها من سفرية شغل، كان بيلاقي مراته ليلى بتغسل الملايات بهمة ونشاط غريب

لمحة نيوز

الشك والسر الكبير
كل مرة كان كريم يرجع فيها من سفرية شغل، كان بيلاقي مراته ليلى بتغسل الملايات بهمة ونشاط غريب. لدرجة إنه من كتر الشك، قرر يركب كاميرا في أوضة النوم من وراها، وانصدم من الحقيقة اللي وجعت قلبه في البداية.
بعد ما كريم اترقى وبقى مدير إقليمي لشركة مقاولات كبيرة في القاهرة، بقى مضطر يسافر لمواقع الشركة في المحافظات كتير. في الأول الموضوع كان يدوب يومين تلاتة، بس شوية بشوية السفر بقى يطول لأسابيع ولحد نص الشهر.
في كل مرة كان بيحضر فيها شنطته ويسيب بيتهم الهادي في التجمع، كانت ليلى مراته بتودعه بابتسامة رقيقة وحضن دافي على باب الشقة. عمرها ما اشتكت ولا نطقت كلمة عتاب واحدة.
لكن كان فيه حاجة شاغلة بال كريم وبقت تضايقه بزيادة. كل ما يرجع من السفر يلاقي ليلى بتغسل الملايات، رغم إن السرير دايماً بيبقى مترتب ونضيف وريحته داوني ومعطر.
مرة حب يهزر معاها وقالها
إيه يا ليلى، هو إنتي جالك هوس نظافة؟ ده أنا غايب أسبوع بحاله والسرير زي ما هو مشفش حد!
ليلى ابتسمت نص ابتسامة ونزلت راسها في الأرض وقالت
بصراحة يا كريم، بقيت بقلق في النوم، فبحب أغير الملايات عشان أحس براحة أكتر.. وبعدين يعني، هما بيبقوا مبهدلين شوية.
مبهدلين؟ كريم قعد يفكر مع نفسه.. مبهدلين من إيه؟ ده أنا مكنتش في البيت طول الفترة دي!
الشك بدأ يتسلل لقلبه زي ريح الشتا الباردة. وفي الليلة دي، كريم معرفش يغمض عينيه. سيناريوهات وحشة بدأت تترسم في خياله هل فيه حد بيدخل بيتي وأنا مش موجود؟
الكاميرا والحقيقة
تاني يوم الصبح، نزل اشترى

كاميرا صغيرة جداً وحطها في مكان مستخبي على الرف وموجهة ناحية السرير بالضبط. كذب على ليلى وقالها إنه مضطر يسافر السويس عشان اجتماع لمدة 10 أيام، لكن في الحقيقة هو أجر أوضة في فندق قريب من البيت.
تاني ليلة، فتح الكاميرا من على موبيله وهو قلبه بيدق بسرعة. الشاشة أظهرت أوضة النوم الضلمة، مفيش غير نور الوناسة الأصفر الهادي. الساعة جت 1030 بالليل، وباب الأوضة اتفتح.
دخلت ليلى وهي شايلة حاجة بين إيديها. كريم كتم نفسه.. لأول وهلة افتكرها مخدة، لكن لما حطتها على السرير، اكتشف إنها...
أدرك إنه طفل صغير! ملفوف في كوفرتة لبني ناعمة، وشه زي القمر، وملامحه هادية وبترسم السكينة.
كريم اتجمد في مكانه، وحس إن الهوا خلص من الأوضة. قلبه بدأ يدق بعنف، بس المرة دي مش خوف، ده كان خليط من الذهول واللخبطة. همس لنفسه طفل! إزاي ومتى؟
قعد قدام الشاشة مش مصدق عينيه. ليلى كانت قاعدة على طرف السرير، ضامة الطفل لصدرها بحنان مش طبيعي. كانت بتغني له بصوت واطي أوي أغنية يلا تنام اللي مسمعهاش منها قبل كده. صوتها كان دافئ ومليان حنين يوجع القلب.
مرت دقايق وهو بيراقبها وهي بتعيط في صمت، وبعدين باست راس الطفل وغطته، ونامت جنبه وهي محضناه.
المواجهة
كريم قعد مكانه مذهول، إيديه بتترعش وهو بيمسح وشه كأنه عايز يفوق من حلم. طفل؟ إزاي مقالتليش؟ إيه اللي بيحصل ده؟
تاني يوم مراحش الشغل، فضل محبوس في أوضة الفندق والأسئلة بتاكله هل ده ابني؟ ولو هو.. ليه خبت عني؟
بعد يومين من العذاب، قرر يرجع البيت فجأة من غير ما يعرفها. فتح الباب براحة
ودخل بخطوات مترددة. سمع من بعيد صوت غنا خافت جاي من أوضة النوم.
قرب.. ووقف عند الباب.
كانت ليلى قاعدة على الأرض، والطفل في حضنها، بتضحك له وبتقوله بصوت واطي
بابا هيكون فخور بيك يا ملاكي الصغير.. بس لسه مش جاهز يعرف، لسه تعبان ولازم أستناه يكون أقوى..
الكلمات دي خرمت صدر كريم. عينيه دمعت لوحدها. ليلى مكنتش بتخونه، كانت بتخبي عنه حب أكبر بكتير مما يتخيل.
خبط على الباب خبطة خفيفة، ليلى اتنفضت واتلفتت له وهي مخضوضة. وشها صفرّ ودموعها نزلت
كريم! إنت رجعت؟
قرب منها ببطء وقعد قدامها على الأرض، عينه مكنتش بتفارق الطفل.
ليلى.. ليه يا ليلى مقلتيش؟
شهقت وهي بتمسح دموعها وقالت
كنت خايفة.. بعد ما فقدنا الحمل الأولاني وإنت كنت محطم، خفت أقولك وأعيش نفس الوجع لو حصل حاجة للطفل ده. كنت عايزة أتأكد إنه بقى بخير، إنه هيعيش، إنه معجزة فعلاً.
مد إيده ببطء ولمس خد الطفل.. كان ناعم ودفيان. حس كأنه بيلمس قلبه لأول مرة.
سألها بصوت مخنوق ده ابني؟
هزت راسها والدموع في عينيها أيوه.. ابنك يا كريم. كنت هقولك، بس كل مرة كنت بترجع تعبان ومهموم، وكنت تقول إنك محتاج ترتاح.. فكنت بخاف أحملك هم جديد. كل مرة أقول لنفسي المرة الجاية، بس كنت بتسافر قبل ما ألاقي الوقت المناسب.
البداية الجديدة
كريم قعد جنبها ومسك إيديها كنت فاكر إني فاهماكي، بس طلعت غريب عنك. سامحيني يا ليلى.
مسكت إيده وقالت له اللي بينا أكبر من أي غلط. أنا كنت عايزة أحميك مش أخدعك. كنت بحاول أكون قوية عشان لما تعرف تكون فخور بيا وبينا.
بص للطفل تاني وكأنه بيشوفه
بقلبه قبل عينيه كان لازم أكون هنا من الأول.. كان لازم أعيش اللحظات دي معاكي.
ليلى ابتسمت وقالت لسه الوقت قدامنا.. هو لسه في أول أيامه، وقدامنا عمر طويل نحكي له فيه كل حاجة.. نحكي له إزاي حبنا واجه الشك وغلبه.
شال كريم الطفل بين إيديه لأول مرة. كان خفيف زي الريشة بس حضنه ملى قلبه بالمسؤولية والمعنى. الطفل فتح عينيه الصغيرة للحظة، وكأن الدنيا وقفت عشان تبارك اللحظة دي.
بالليل، قعدوا يتكلموا كتير عن الأيام اللي ضاعت في الشك، وعن السفر والوحدة في الفنادق اللي مبقاش ليها لازمة.
كريم قالها
مش هسافر تاني إلا لو كنتوا معايا. زهقت من الفنادق، أنا محتاج بيتي.. محتاجكم.
مرت الشهور بهدوء وجمال. كريم بقى يرجع كل يوم يلاقي ليلى قاعدة جنب الطفل. الملايات مبقتش تتغير كل شوية، لأن الغياب نفسه انتهى. البيت بقى مليان بريحة اللبن والضحك وقصص قبل النوم.
وفي يوم وهو شايل ابنه قدام الشباك، همس
كنت فاكر إن الحقيقة هتجرحني، بس اكتشفت إنها أنقذتني.
ضحكت ليلى وقالت
وأنا كنت فاكرة إن الشك هيدمرنا، بس علمنا نثق في بعض أكتر.. والطفل ده هو الدليل إن بعد كل خوف، فيه حياة جديدة بتتولد.
في اللحظة دي، كريم عرف إن الغياب مش بالأيام، الغياب بيبقى لما الثقة تروح. وإن فيه غموض مش معناه خيانة، ساعات بيبقى معجزة مستنية الوقت الصح عشان تظهر.
وكبر الطفل وملى البيت حيوية، وفي كل مرة كانت ليلى تغسل فيها الملايات بابتسامة، كان كريم يقف على الباب يراقبها بحب، وهو فاكر الدرس الأهم الثقة مش إنك تغيب وتصدق، الثقة هي إنك تفهم إن اللي بيحبك
مش بيخبي عنك حاجة إلا لو كان خايف يوجعك.

تم نسخ الرابط