كل يوم الساعة ٤ الفجر جوزي كان بيقفل على نفسه الحمام
كل يوم الساعة ٤ الفجر جوزي كان بيقفل على نفسه الحمام وبعد ٣٥ سنة جواز، لما بصّيت من خرم المفتاح اكتشفت السر اللي دمّرني
أول مرة سمعت فيها جوزي بيهدد إنه يسيب البيت كنا متجوزين بقالنا خمسة وتلاتين سنة.
قالها بصوت واطي متقطع من التعب
لو سألتي تاني أنا بعمل إيه في الحمام الساعة ٤ الفجر والله همشي ومش هرجع.
الكلام نزل على قلبي زي الطوبة.
لأن حسن عمره ما كان راجل بيهدد.
حسن عبد الحميد كان الراجل اللي الجيران بيسيبوا معاه مفاتيح شققهم وهما مسافرين.
الراجل اللي يصلح باب العمارة قبل ما حد يطلب منه.
الراجل اللي يشيل هم الدنيا كلها ويسكت.
هادي
محترم
وراجل يعتمد عليه.
وعمرى ما تخيلت إن الراجل اللي نمت جنبه عمر كامل
يبقى مخبي عني سر مرعب بالشكل ده.
اسمي أمينة.
عندي ٧٨ سنة.
ولحد آخر سنين جوازي كنت فاكرة إن الأسرار بتحصل في بيوت الناس التانية.
مش عندنا إحنا.
عشنا أنا وحسن في بيت صغير في شبرا.
بيت اشتريناه بالقسط على سنين طويلة.
ربينا فيه ولادنا
أحمد
ومنار.
شفنا أيام صعبة كتير
ديون
مرض
وفاة أهالينا
وغلاء معيشة خنقنا سنين.
بس كنا بنستحمل.
وكان الناس دايمًا يقولولي
إنتِ محظوظة براجل زي حسن.
ويمكن فعلًا كنت محظوظة
بس كان فيه حاجة واحدة عمرها ما بطلت تخوفني فيه.
كل يوم
من غير استثناء
كان حسن يصحى الساعة ٤ الفجر بالظبط.
مش ٤ إلا دقيقة.
ولا ٤ و١٠.
٤ بالثانية.
يقوم بهدوء جدًا
يفتح
ياخد حاجة مستخبية جوه كيس صيدلية
ويدخل الحمام الصغير اللي جنب المطبخ.
ويقفل الباب بالمفتاح.
ويفضل جواه حوالي ساعة كاملة.
في أول الجواز افتكرت إن عنده مشكلة صحية.
قولت يمكن قولون
أو وجع بيستخبى منه.
لكن مع السنين
الخوف جوايا كبر.
كنت أوقات أسمع صوت مية شغالة كتير.
وأوقات صوت زجاجات بتخبط في الحوض.
وأوقات
صوت مكتوم
كأن حد بيكتم صرخة بالعافية.
أول مرة سألته كانت بعد جوازنا بكام سنة.
فاكرة وشه لحد النهارده لما اتغير فجأة.
قال بسرعة
معدتي يا أمينة بلاش تسألي.
وسكت.
إحنا ستات الجيل القديم اتربينا إن فيه أبواب ماتتفتحش.
وإن الست الشاطرة ماتدخلش في أسرار جوزها.
لكن حسن عمره ما بطل يخوفني.
عمره ما لبس نص كم.
حتى في عز الحر.
وكان يغير هدومه لوحده.
ولو لمسته فجأة من ضهره
جسمه كله ينتفض كأنه متصعق.
ولما كنا نقرب من بعض
كان لازم النور يبقى مطفي.
دايمًا.
ومع الوقت
الشك بدأ ياكلني.
قولت يمكن فيه ست تانية.
يمكن إدمان.
يمكن مصيبة مستخبية.
وفي ليلة بعد ما العيال كبروا وسافروا
واجهته.
قلتله
حسن فيه واحدة غيري؟
المعلقة وقعت من إيده على أرض المطبخ.
لكن اللي شوفته في عينه ماكنش ذنب.
كان خوف.
خوف مرعب.
همس
ماتقوليش كده.
قلت بعصبية
أمال قولي إيه اللي مخبيه؟!
وفجأة
حسن بكى.
حسن عبد الحميد
الراجل اللي ماعيطش يوم دفن أبوه
ولا يوم مرض
ولا يوم خسر شغله
كان بيعيط
وقال بصوت مخنوق
بخبيه عشان أحميكي.
والله العظيم
الجملة دي كانت أخوف من أي خيانة.
ومن الليلة دي
البيت كله اتغير.
الصمت بقى تقيل.
أحمد كان دايمًا يقول
بابا بارد.
ومنار كانت تقولي
إنتِ مكبرة الموضوع يا ماما.
بس أنا كنت حاسة إن فيه حاجة مرعبة مستخبية ورا باب الحمام ده.
لحد ما جه صباح بارد في شهر فبراير
وانكشف السر كله.
صحيت قبل حسن بدقايق.
وتظاهرت إني نايمة.
قام كعادته الساعة ٤.
فتح الدولاب بهدوء
وأخرج كيس الصيدلية.
ومشى ناحية الحمام.
استنيت شوية
وقمت وراه.
البيت كان ساكت بشكل يخوف.
وساعة الحيطة صوتها عالي بشكل غريب.
ونور أصفر خافت طالع من تحت باب الحمام.
قربت ببطء
وبصيت من خرم المفتاح.
وفي اللحظة دي
كل أفكاري القديمة اتكسرت واتجمدت من الرعب من الي شوفته
حسن كان قالع القميص.
وضهره كله
كان متغطي ندوب.
مش ندوب عادية.
جروح طويلة
محروقة
ومتقطعة
كأن جسمه اتعذب يومًا وماخفش أبدًا.
بعضها كان بينزف.
وكان بينضفها بإيد بترتعش.
وحاطط فوطة بين سنانه
عشان ما يصرخش من الوجع.
إيدي اتحطت على بقي تلقائي.
ورجعت لورا وأنا برجف.
جوزي اللي عشت معاه ٣٥ سنة
كان بيتعذب كل يوم وأنا معرفش.
تاني يوم
فتشت الكيس.
لقيت شاش
ومراهم
ومسكنات قوية
وضمادات عليها دم.
وقعدت على السرير أعيط.
أنا كنت فاكراه خاين
وهو كان بس بيحاول يعيش.
بعد كام يوم
انهار أخيرًا.
وقعدنا حواليه أنا وأحمد ومنار.
وسكت شوية طويل
قبل ما يقول
الحكاية بدأت سنة ١٩٧٢ لما افتكروني شخص تاني.
وبدأ يحكيلنا.
قال إنه زمان وهو شاب
كان فيه تشابه بين اسمه واسم ناشط سياسي مطلوب.
وفي ليلة وهو راجع من الشغل
اتخطف.
ناس خدوه لمكان مجهول.
وعذبوه أيام.
ضرب
وحروق
وكهربا
وكانوا فاكرينه الشخص الغلط.
ولما اكتشفوا الحقيقة
سابوه.
لكن قبل ما يمشي
هددوه.
قالوله
لو فتحت بقك هنوصلك لخطيبتك.
الخطيبة وقتها
كنت أنا.
ومن يومها
وهو عايش مرعوب.
خايف علينا.
وخايف من ماضيه.
وخايف يشوف حد ضعفه.
فهمنا وقتها كل حاجة.
القمصان الطويلة.
الخضة من اللمس.
الباب المقفول.
البرود.
الصمت.
حتى بعده عن ولاده
ماكنش قسوة.
كان وجع.
أحمد قعد يعيط وهو ماسك إيد أبوه
سامحني يا بابا أنا ظلمتك.
وحسن انهار لأول مرة.
وقال
كنت نفسي أحضنكم كتير بس الألم كان بيمنعني وأوقات كنت بخاف حد فيكم يتأذي بسببي.
ومن يومها
بطل يقفل باب الحمام.
كل يوم الساعة ٤ الفجر
كنت أقعد جنبه وهو يغير ضماداته.
وأمسك إيده وقت الوجع.
وببطء
بدأ يخف.
مش لأن الندوب اختفت.
لكن لأن السر اختفى.
عاش حسن بعدها ١٥ سنة.
وكانوا أحلى ١٥ سنة في جوازنا.
أول مرة أشوفه بيضحك من قلبه.
أول مرة ينام من غير كوابيس.
أول مرة يحضن أولاده من غير خوف.
وقبل ما يموت بأيام
مسك إيدي من على سرير المستشفى.
وقال بصوت ضعيف
شكرًا إنك
حضنت إيده وبوست جبينه.
وقلتله
ده عمره ما كان عار يا حسن ده كان وجع. والوجع بيخف لما حد يشاركك شيله.
بحكي الحكاية دي دلوقتي
عشان ناس كتير بتتلخبط.
بتفتكر الصمت قسوة.
والبعد كره.
والبرود خيانة.
مع إن الحقيقة أوقات بتكون مجرد إنسان
مكسور
ومش عارف يقول
أنا تعبان.
وأوقات
ورا باب حمام مقفول الساعة ٤ الفجر
مايكونش فيه وحش مستخبي.
ممكن يكون بس
إنسان بيحاول ينجو.