من أول يوم سكنت فيه البيت ده كنت باعتبر نفسي شخص مشغول بحاله
من أول يوم سكنت فيه البيت ده، كنت باعتبر نفسي شخص مشغول بحاله. ألقي السلام على الجيران، أسقي زرعي، وأرجع أقفل بابي. لكن فيه حاجات بسيطة جدًا بتشد الانتباه حتى لو حاولت تتجاهلها
وكانت جارتي واحدة منهم.
كل يوم بدون استثناء الساعة ستة ونص الصبح بالضبط.
كنت أسمع صوت فتح الحنفية، وبعدها صوت الميه وهي تنزل على التراب.
في الأول ما اهتمتش. قلت أكيد ست بتحب الزراعة. خصوصًا إن جنينتها كانت جميلة صفوف طماطم، شوية خيار، شجيرات فراولة، وكل حاجة شكلها متظبط.
لكن الغريب إن الميه عمرها ما كانت تروح للنباتات.
كانت تروح لبقعة واحدة بس.
جزء صغير من الأرض عند السور الخلفي.
ولا مرة شوفت فيها نبتة.
ولا مرة حتى حشيش.
مجرد تراب
عدّى يوم اتنين أسبوع
والروتين نفسه.
تخرج بخرطوم أصفر، تقف ساكتة، وتسقي البقعة دي لمدة طويلة، وبعدين تدخل البيت.
في يوم وأنا بلم الغسيل، سألتها بشكل عادي
صباح الخير هو إنتِ زارعة إيه هنا؟
بصتلي بسرعة كأنها اتفاجئت إني موجود أصلًا.
وسكتت ثواني.
بعدها قالت وهي بتبص بعيد
بطاطس نوع خاص.
ضحكت وقلت
بطاطس؟ كل يوم؟
ما ردتش.
لفّت ودخلت.
وقتها حسيت إن فيه حاجة غلط بس قلت لنفسي يمكن الست عندها ظروف أو طريقة زراعة غريبة.
لكن بعدها بدأت ألاحظ حاجات أكتر.
كانت كل ما تشوفني أبص ناحية البقعة دي تسحب الستارة وتقفل الشباك.
بقت ما تخرجش غير قليل.
وكل يوم كمية الميه تزيد.
الغريب إن الأرض نفسها ما كانتش بتتغير.
ولا أي علامة حياة.
في ليلة، صحيت حوالي اتنين الفجر على صوت حركة برا.
بصيت من الشباك.
كانت واقفة.
في الضلمة.
خرطوم الميه في إيدها.
بتسقي نفس المكان.
ساعتها حسيت بقشعريرة.
مين يسقي أرض في نص الليل؟
تاني يوم كنت متردد هل أنا بأبالغ؟
لكن فكرة واحدة فضلت تلف في دماغي
لو مفيش حاجة هناك ليه الخوف ده كله؟
اتصلت بالشرطة.
الشخص اللي رد عليّ كان مستغرب
يعني حضرتك بتبلغ لأن جارتك بتسقي الأرض؟
حسيت بإحراج.
لكن قلت
عارف إن الموضوع غريب بس فيه حاجة مش طبيعية.
بعد وقت وصلوا.
خرجت الجارة أول ما شافتهم.
وشها كان أبيض بشكل غريب.
بدأت تتكلم بسرعة
لا لا مفيش حاجة أنا بحب الزرع عندي بطاطس
واحد من الضباط سألها
ممكن
سكتت.
الثواني كانت طويلة.
بعدها قالت
براحتكم.
بدأ الحفر.
أول كام دقيقة مفيش حاجة.
بدأت أحس إني فعلاً ضخمت الموضوع.
لحد ما
صوت خبط.
المجرفة وقفت.
الضابط نزل على ركبته.
وشال التراب بإيده.
وفجأة
رجع خطوة لورا.
وفي وسط الأرض المبلولة
ظهر طرف يد بشرية.
المكان كله سكت.
الجارة ما صرختش.
ما جرتش.
قعدت على الأرض وبصت قدامها كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
وبعد التحقيق حسب الرواية المنتشرة اتضح إن زوجها كان مختفي من شهور، وإنها دفنته هناك بعد خلاف بينهم.
ولما حاولت تخفي المكان بزرع، خوفها خلاها تسقي زيادة لدرجة إن مفيش حاجة نبتت.
وفي النهاية
الشيء اللي كانت بتحاول تخفيه
هو نفسه اللي خلّى
ومن يومها، كل ما أشوف بقعة أرض مختلفة عن اللي حواليها
بفتكر إن أحيانًا أغرب الأسرار بتكون موجودة قدامنا طول الوقت، بس إحنا اللي ما بنبصش كويس.