“كل الناس كانت بتقول إن الشاب الصغير بيستغل الأرملة الست الكبيرة… لحد ما الحقيقة ظهرت قدام الكل في الجامع، وقلبت الدنيا.”
الكل كان متأكد إن الشاب ده طمعان في الأرملة العجوز اللي حامل وهي عندها 62 سنة، لحد ما حصلت فضيحة في قلب الجامع كشفت سر خلى المنطقة كلها تعيط من الندم.
"أنا حامل يا دكتور.. وأنا عندي 62 سنة.. والأب مش جوزي المرحوم!"
لما "ست (كارمن) قالت الجملة دي، العيادة في مستشفى القصر العيني ساد فيها سكون رهيب، مفيش غير صوت المروحة وصوت دقات قلب بنتها "إيمان" الممرضة اللي شخصيتها قوية. إيمان مسكت في حرف المكتب وهي مش مصدقة، كأن الأرض اتهدت تحتها. دي مش مجرد معلومة طبية، دي فضيحة ومصيبة في نظر الناس.
— "يا ماما، قولي إن الدكتور غلطان في التحاليل!" إيمان همست بوجع، "إنتي عندك 3 أحفاد، إنتي أرملة محترمة، الكلام ده ملوش مكان في دنيتنا!"
الست كارمن ضغطت على شنطتها الجلد. بجمالها الهادي وهي في الـ62، كانت عايشة في حارة "السيدة زينب"، بتروح صلاة الفجر، ومشهورة بأحلى قدرة فول وطعمية في المنطقة. من ساعة ما جوزها "الحاج حسن اتوفى من 15 سنة، والناس حطتها في خانة "الجدة المضحية" اللي دورها في الحياة يقتصر على الصلاة وتربية ولاد ولادها.
لكن من 4 شهور، القدر رماها في طريق "كريم" .
كريم كان راجل شقيان عنده 42 سنة، بييجي من الأرياف كل أسبوعين يبيع محاصيل ومنتجات فخارية جنب السوق. إيديه كانت خشنة من شقى الأرض، وسماره من شمس الغيطان، وعينيه كان فيها حنية ونظرة احترام حقيقية. مكنش بيعاملها كأنها "تحفة قديمة"، كان بيناديها باسمها، بيضحكها بحكاياته، ولأول
الموضوع مكنش مترتب، الحب نبت بينهم وسط كوبايات الشاي بالنعناع والقعدة على المصطبة قدام البيت و بعدها قرروا يتجوزوا فى السر…..
لما بدأ الدوار يجيلها، افتكرت إنه ضغط. لما ريحة الأكل قلبت بطنها، قالت ده قولون. بس إيمان صممت تعملها تحاليل، والنتيجة كانت زلزال.
— "ده حمل عالي الخطورة جداً"، الدكتور حذرها، "في سنك ده، جسمك هيواجه ضغط مش طبيعي، ومحتاجة مراقبة كل ثانية."
إيمان من اللحظة دي انفجرت: "والنصاب ده عرف؟ بقاله أسبوعين في بلده ومسألش فيكي! أكيد هرب لما عرف إنك حامل، واحد أصغر منك بـ 20 سنة ومعاهوش مليم، مستنية منه إيه؟"
الخبر انتشر في الحارة زي النار في الهشيم. "أم عبير" جارتهم شافت كُارمن بتشتري فيتامينات حمل، وفي 3 أيام كانت السيدة زينب كلها بتقول إن أرملة الحاج حسن اتجننت وضيعت شيبتها.
يوم الجمعة، كُارمن دخلت الجامع والكل بيبص لها بصه توجع. لسه بتقعد، بنتها إيمان وقفت وراها وقالت لها بحدة: "لو صممتي تكملي في الجنان ده، انسي إن ليكي بنك. مش هساعدك في الموت اللي إنتي ماشية فيه."
كُارمن كانت بتموت من جواها، بس الصدمة الحقيقية كانت لما شافت "كريم" واقف بره عند البوابة، معاه شنطة هدوم قديمة.. وماسك في إيديه بنت شابة شكلها تعبان جداً…………
الحارة كلها وقفت تتفرج. البنت اللي مع كريم كانت مبهدلة، شعرها منكوش وعينيها وارمة من العياط. "أم عبير" بدأت تلطم وتشهق،
إيمان هجمت على كريم زي الأسد: "يا بجاحتك! جاي لحد هنا وجايب معاك واحدة تانية عشان تذل أمي قدام المنطقة كلها؟"
كريم حاول يتكلم، بس البنت الشابة استخبت وراه وهي بتعيط: "يا بابا.. يلا نمشي، أنا مش قادرة أستحمل نظراتهم."
كلمة "يا بابا" نزلت على الناس كأنها مية تلج.
كُارمن بدأت تتنفس بصعوبة، والبنت دي مكنتش "ضرة"، دي بنته!
كريم اتنهد بوجع وقال: "يا كُارمن، سامحيني. كان لازم أحكيلك. دي بنتي (نادية). أنا مكنتش بختفي بمزاجي.. مراتي كانت بتموت بقالها 10 سنين بمرض وحش، وكنت بشتغل ليل نهار عشان علاجها، وتوفت من 4 أيام. مكنتش عايز أشيلك همي."
الكسوف والخجل أكل قلب كُارمن. هي شكت فيه، والناس نهشت في عرضه، وهو كان بيدفن مراته وبيراعي بنته اليتيمة.
كُوم رفعت راسها قدام الكل وقالت: "يا كريم، أنا حامل."
كريم اتصدم، رجع خطوة لورا، وفضل باصص للأرض.. إيمان ضحكت بسخرية: "أهو خاف وهيهرب!"
لكن كريم نزل على ركبه قدامها، وحط راسه على رجلها وبدأ يعيط زي العيال الصغيرين: "أنا افتكرت الدنيا بتاخد مني بس.. عشت 10 سنين بشوف مراتي بتدبل قدامي، وقلت خلاص هعيش وحيد.. ودلوقتي ربنا بيبعتلي منك هدية؟"
إيمان صرخت فيه: "كفاية تمثيل! أمي هتموت لو كملت الحمل ده! إنت أناني!"
مهموش كلام حد و قرر يفضل جنبها.
بعدها، ولاد كُارمن التانيين (اللي عايشين بره القاهرة) اتصلوا وشتموا وهددوا يحجروا عليها، والمنطقة كلها قاطعتها ومحدش بقى يشتري منها
لكن كريم مسبهاش. باع عِدّة شغله، واشتغل شيال في مخبز بالليل عشان يفضل جنبها بالنهار. بقى هو اللي يقيس لها الضغط، ويطبخ لها أكل من غير ملح، ويشيلها يوديها للدكتور. وبنته "نادية" بقت هي اللي بتونس كُارمن وتجهز لبس البيبي.
في الشهر السابع، الكارثة حصلت. ضغط كُارمن علي جداً ودخلت العمليات في حالة خطر. كريم كان واقف بره في المستشفى بهدوم الشغل اللي مليانة دقيق، بيعيط وبيدعي. وإيمان (بنتها المشرانية) دخلت العمليات معاها وهي بتترعش من الخوف على أمها.
الدنيا سكتت تماماً في أوضة العمليات، وفجأة.. صوت صرخة طفل هز المكان.
كارمن فاقت بعد 12 ساعة في العناية، لقت كريم ماسك إيدها اليمين بيبوسها، وإيمان ماسكة إيدها الشمال وبتقول لها وهي بتعيط: "مبروك يا ماما.. البيبي زي القمر."
سموه "حسن كريم". حسن على اسم جوزها الأول، وكريم على اسم الراجل اللي صانها ومسبهاش في المحنة.
بعد 5 شهور، كُارمن رجعت الحارة وهي شايلة ابنها. "أم عبير" اللي كانت بتشتمها، جت لحد عندها وقالت لها بكسوف: "يا ست كُارمن.. حقك عليا، أنا ظلمتك. مكنتش أعرف إن قلبك قوي كدة."
كُارمن ضمت ابنها لصدورها وقالت كلمة خلدتها الحارة كلها:
"يا أم عبير، الحكاية مش قوة.. الحكاية إن الحياة مش بتستأذن عشان تفاجئنا، والقلب ملوش تاريخ انتهاء صلاحية."
ومن يومها، بقت قصة الست كارمن أسطورة في السيدة زينب، وأي حد يقول "أنا كبرت على الحب" أو "خلاص القطر فاتني"، يردوا عليه ويقولوا له: