أختي سرقت خطيبي
أختي سرقت خطيبي
أختي سرقت خطيبي واختفت لمدة عشرين سنة ثم ظهر ابنها فجأة أمام باب بيتي بعدما لم يعد لديه أي مكان يذهب إليه....
الولد كان واقف عند بوابة بيتي كأنه اتعلّم بدري جدًا إن ماحدش بيستقبله بحب.
كان رفيع رفيع زيادة عن اللزوم، ولابس جاكيت واسع متدلّي على كتافه، وماسك شنطة سفر قديمة بإيد واحدة. شفته من شباك المطبخ وأنا بحط الطاسة على النار، وفجأة حسّيت إن إيديا ارتخت.
كان عنده تلتاشر سنة.
لسه طفل تقريبًا.
ومع ذلك، كان شايل في وشه تعب ماينفعش يبقى موجود على وش ولد صغير.
الجواب وصل قبلها بعشر أيام من ست في شيكاغو قالت إنها كانت جارة أختي لوسيا.
كتبت
آنسة كارمن، آسفة إني أقولك إن لوسيا ماتت بالتهاب رئوي. ابنها ميجيل بقى لوحده دلوقتي. أبوه مات من تلات سنين في حادثة عربية. مالوش حد من عيلته غيرك.
غيري أنا.
طيّت الجواب أربع طيات متساوية وحطيته ورا صورة أبويا القديمة، جنب فواتير منتهية وأوراق محدش لمسها من سنين. يومين كاملين ما رديتش.
وفي اليوم التالت كتبت كلمتين بس
ابعتوه.
كنت هقول إيه غير كده؟
إني ماشوفتش أختي من عشرين سنة؟
وإن مجرد قراءة اسمها لسه بتوجعني من جوا؟
وإن الوجع مبقاش جديد لكنه لسه موجود، زي جرح قديم بطّلت تلمسه لكن عمرك ما نسيته؟
لكن الولد ماعملش أي حاجة غلط.
فمسحت إيديا في المريلة وخرجتله.
ميجيل كان شبه لوسيا.
عرفت ده فورًا.
نفس الفم المقفول بعناد.
نفس الحواجب المبعثرة.
ونفس الطريقة اللي يبص بيها من تحت رموشه، كأنه متوقع الباب يتقفل في وشه قبل ما يتفتح.
بس
رمادي.
صافيين.
أكيد ورثهم من أبوه.
قال بصوت متردد
مساء الخير أنا ميجيل ابن أختك.
الشنطة وقعت من على كتفه، فالتقطها بسرعة وهو مكسوف من توتره.
قلت
أنا عارفة إنت مين ادخل.
أول ما دخل، خلع الجزمة القديمة من غير ما أطلب، ووقف بالجوارب المرقعة. كعب الشراب كان متخيط بخياطة معوجة لكنها متقنة.
سألت نفسي
هو اللي خاطها بنفسه؟
ولا لوسيا عملتها قبل ما تموت؟
لفّيت وشي بسرعة عشان مايشوفش ملامحي.
قلت
اقعد تحب تاكل رز وفاصوليا؟
همس
أيوه يا سيدتي لو مش هتعبك.
كان بياكل بالراحة بحذر كأن كل لقمة محتاجة إذن.
لا خطف الأكل.
ولا عمل صوت.
ولا طلب زيادة.
ولسبب ما ده ضايقني أكتر مما لو كان قليل الأدب.
يمكن كنت عايزاه يبقى صعب.
يمكن كنت مستنية منه أي تصرف يخليني أفضل قافلة قلبي وبابي نص قفلة.
بس هو ماعملش كده.
كان بس يشكرني ويبص للسفرة.
أول كام يوم تقريبًا ما اتكلمناش.
كنت بخرج قبل الفجر أشتغل في مزرعة الألبان الصغيرة اللي بره البلد. البهايم ما بتستناش الحزن، والفواتير ما يفرقش معاها جروح العيلة القديمة.
ولما كنت برجع، ألاقي ميجيل دايمًا بيعمل حاجة في الجنينة.
يوم يرص الحطب.
ويوم يصلّح لوح مفكوك في السور.
ويوم يشيل جراكن مية من الطلمبة القديمة ورا البيت.
ماكانش بيسأل إيه المطلوب.
كان بس يبص حواليه يشوف إيه الناقص ويعمله.
وده فاجأني.
وضايقني برضه.
كأنه بيقول من غير كلام
بصي أنا ممكن أبقى مفيد بس ماتطردينيش.
مرة شفته من عند الحظيرة بيحاول يجر جردل تقيل في الجنينة.
إيدين مدينة.
رفيعة.
إيدين ماكبرتش وسط أسوار وخيش وقش وبرد الفجر.
وفجأة الفكرة خبطتني بقوة
الولد ما اشتكاش مرة واحدة.
لا من الشغل.
ولا من سكوتي.
ولا من البيت اللي محدش حضنه فيه من ساعة ما وصل.
كان عنده تلتاشر سنة، وجاي يعيش عند خالة لسه مش عارفة أصلًا إذا كانت عايزاه ولا لأ.
دخلت المطبخ قبل ما يشوفني بعيط.
أول واحدة جت تشم خبر كانت جارتي تيريزا ميلر.
ست لسانها طويل وروحها فاضية، من النوع اللي يقولك أنا بقولك لمصلحتك، وبعدها يقطعك بالكلام.
نادَت من عند البوابة
كارمن، سمعت إن ابن لوسيا جه يعيش عندك.
قلت ببرود
جه فعلًا.
تنهدت وقالت
يا حبيبتي بعد اللي أختك عملته فيكي، دلوقتي كمان هتربي ابنها؟
وشي نشف.
عايزة إيه يا تيريزا؟
بس بطمن عليكي. ماتتعصبيش. لكن طفل مش ابنك بيجيب مشاكل. إنتِ ماخلفتيش، ودلوقتي في سنك ده تربي ولد مراهق
قاطعتها
روحي بيتك يا تيريزا.
مشت متضايقة، لكني كنت عارفة إنها مش هتبقى آخر واحدة.
في البلد الصغيرة، الكلام بيجري أسرع من الكلاب الضالة.
بعد اللي أختك عملته فيكي.
قالتها كأنها بتتكلم عن الجو.
وأنا اللي قضيت عشرين سنة بمثل إن الوجع راح وقفت عند الشباك وضوافري مغروزة في كفي.
أنا ولوسيا كنا بننام في نفس السرير وإحنا صغيرين.
كنت أضفر لها شعرها قبل المدرسة.
وأدافع عنها من الولاد اللي كانوا يرخموا عليها بسبب النمش.
وفي الشتا كانت تحط رجليها السقعة على رجليا وتهمس
كارمن ماتناميش دلوقتي.
وبعدين كبرت.
وبقت جميلة.
جميلة زيادة عن اللزوم.
الولاد اللي كانوا بيتريقوا عليها بقوا ينسوا الكلام أول ما تعدي.
واحد من الولاد دول كان أندرو.
خطيبي.
كان فرحنا في أكتوبر. أمي عدلت فستان جوازها القديم عشاني، وأبويا اشترى الويسكي للفرح.
البلد كلها كانت عارفة.
وبعدين لوسيا رجعت من شيكاغو زيارة قصيرة.
بعدها بأسبوع، لقيتهم مع بعض في ورشة التصليح اللي أندرو بيشتغل فيها. كان ماسك إيديها، وهي بتضحك ضحكتها المضيّة اللي كانت تخلّي الرجالة تفقد عقلها.
ما صرختش.
وما سألتش ليه.
وقعت مني سلة العيش اللي كنت شايلّاها ومشيت.
بعد يومين، لوسيا سابت جواب.
أنا آسفة ماعرفتش أوقف اللي حصل.
وبعدين هربت معاه.
أمي مرضت من القهر.
وأبويا بطل يكلمني، كأن الذنب ذنبي إني ماقدرتش أخلي خطيبي يختارني بدل أختي.
وأنا فضلت.
فضلت مع المزرعة.
فضلت مع الفضيحة.
فضلت مع فستان الفرح اللي حرقته في الفرن.
وفضلت مع خمستاشر جواب من لوسيا عمري ما فتحتهم.
ميجيل ما سألش عن أي حاجة من دي.
أحيانًا كان يجيب سيرة أمه بجمل صغيرة، كأنه خايف اسمها يكسر حاجة في الأوضة.
مرة وإحنا بناكل شربة قال
ماما كانت بتعملها خفيفة قوي بتاعتك طعمها أقوى.
ما رديتش.
لأن الحقيقة وجعتني.
بالنسبة لي، لوسيا كانت خيانة.
أما بالنسبة له، فكانت مجرد أمه.
ست بتعمل شربة خفيفة، وتخيط الشرابات، وماتت في مايو والجو لسه فيه ريحة مطر وورد.
وفي الأسبوع التالت، حصل الشيء اللي كنت خايفة منه.
كنت راجعة من المزرعة، ولقيت شوية ناس متجمعين قدام الدكان. وفي النص كان
وقدامه كان ميجيل.
صغير.
ساكت.
وقابض إيده على جنبه.
جينارو قال بسخرية
إنت ابن الست اللي خطفت راجل أختها، صح؟ أمك سرقت خطيب خالتك؟ واضح إن الوساخة ماشية في دم العيلة.
الناس كلها سكتت.
ولا حد تدخل.