امى ضربت مراتى بالقلم على وشها ادام الناس كلها, بس فى اللحظة دى كل حاجه اتغيرت و الدنيا انقلبت فى البيت
القلم اللي قلب الموازين
أنا وريهام اتجوزنا بعد خطوبة استمرت تلات سنين. ريهام كانت هادية جداً، رقيقة، وأخلاقها مفيش اتنين يختلفوا عليها. بس من أول يوم خطت فيه عتبة بيتنا، وأمي الحاجة فوزية كانت شايفاها "شوكة" في زورها.
أمي كان طول عمرها نفسها أجوز واحدة من "مقامنا"، بنت ناس أغنياء وعندهم عز، لكن ريهام كانت مجرد مدرسة في مدرسة حكومي على قد حالها.
أمي كانت بتمسك لها على الواحدة، وأقل حاجة تخليها تثور وتغضب. ريهام كانت بتصبر وبتقول "عشان خاطرك"، بس للأسف، كل ما كانت بتسكت، كل ما أمي كانت بتزيد في قسوتها. أنا كنت بين نارين، بحب أمي وبحب مراتي، وفي أغلب الأوقات كنت بختار السكوت عشان المركب تمشي.
و فى يوم كانت سنوية والدي، الأستاذ رأفت الله يرحمه. ريهام صحيت من بدري وشقيت، وجهزت صواني الأكل والحلويات والرز بلبن عشان "الطلعة" والذكرى. وهي بتنظم الحاجة في أوضة الضيوف، غصب عنها كفت يدها خبطت طبق "حلويات"، فوقع على الأرض واتدلق.
هنا بقى، بركان أمي انفجر! قدام العيلة كلها والقرايب والمعازيم، أمي نزلت بكف قلم على وش ريهام.. قلم كان قوي لدرجة إن صوته سمع في البيت كله زي الرعد. شفة ريهام انقطعت وبدأت تنزف، ومن قوة الخبطة اختل توازنها ووقعت على الأرض.
البيت كله اتخرس، مفيش صرخة ذبابة مسموعة. ريهام كانت واقعة بتبكي بحرقة، وأمي قربت منها بكل جبروت، ومسكتها من دقنها وقالت لها بصوت يقطع القلب
— "يا خيبتك السودا.. إيه مرات ابنى الفاشلة دي؟ فضحتيني وجرستيني قدام الناس!"
أنا قمت وقفت في هدوء تام. قلبي كان بيتقطع وأنا شايف ريهام مكسورة بالمنظر ده، بس ماروحتش قومتها من مكانها في لحظتها. سيبتهم كلهم وطلعت على أوضتي فوق.
الكل بص لي باحتقار، افتكروا إني هربت أو إني ضعيف قدام أمي ومش قادر آخد حق مراتي. قرايبي بقوا يهزوا في راسهم بأسف، وأمي وقفت تبتسم بانتصار وفخر، كأنها أثبتت إن كلمتها هي اللي ماشية.
بس محدش كان يعرف أنا طلعت فوق ليه..
دخلت أوضتي، وفتحت الدولاب، وطلعت "شنطة الأوراق" اللي كنت شايلها لليوم الأسود.. ونزلت تاني وأنا عيني فيها شرار، بس المرة دي، الورق اللي في إيدي كان هو اللي هيقلب موازين البيت ده كله فوق تحت!
نزلت بالشنطة البني، والبيت كله كان لسه ملموم. ريهام كانت لسه في الأرض، إيدها على شفتها اللي بتنزف وعينيها مليانة وجع.. وجع من القلم، ووجع مني أنا، الشخص اللي سابها وطلع فوق في وقت كانت محتاجة فيه ضهري.
أمي كانت قاعدة وفاردة ضهرها، وشها لسه محمر من العصبية، وكأنها عملت إنجاز عظيم. أول ما شافتني ومعايا الورق، ضحكتها خفتت وقالت بحدة:
"إيه يا حبيبي؟ مطلع لي ورق دلوقتي ليه؟ روح الأول لِم مراتك وعلمها الأدب!"
مردتش عليها. روحت لريهام، وطيت وساعدتها تقوم. في اللحظة دي، هي كانت بتقاوم إيدي، كأنها بتقول لي "خلاص مبقاش ينفع"، بس مسكت إيدها
"اقفي معايا يا ريهام.. دقيقة واحدة بس."
أمي ضحكت بسخرية: "دلوقتي بقيت راجل وعايز تعمل فيها جوز الست قدام الناس؟"
بصيت لها وقلت بمنتهى الهدوء: "لا.. دلوقتي بقيت ابن فهم أخيراً أبوه كان يقصد إيه."
حطيت الملف على الترابيزة وفتحته. الكل اتلم، وعمي "حسين" قرب وقال: "إيه الورق ده يا ابني؟"
مسكت أول ورقة وقلت بصوت مسموع: "ده يا عمي.. عقد تنازل وتسجيل ملكية البيت ده."
أمي وشها اتخطف وقالت: "بتقول إيه يا واد؟ البيت ده بيت أبوك وبأسم العيلة!"
رديت عليها وعيني في عينها: "كان بأسم أبويا يا أمي.. بس قبل ما يموت بتلات شهور، اتنازل عن ملكية البيت ده بالكامل."
أمي وقفت وهي مذهولة: "لميين؟"
رفعت الورقة وقلت: "لريهام.. لمراتي."
البيت اتقلب! "إيه؟"، "مش ممكن!"، "إزاي ده حصل؟". ريهام نفسها كانت بتبص لي وهي مش مصدقة. أمي اتجننت وقالت: "كدب! أكيد هي اللي ضحكت عليك وخلتك تمضي الورق ده!"
قلت لها: "لا يا أمي.. ريهام مكنتش تعرف أصلاً. أنا اللي كنت عارف وساكت.. ساكت عشان كنت مكسوف، مكسوف إن أبويا وهو ميت كان أحن على مراتي مني وأنا حي."
طلعت جواب بخط إيد أبويا الله يرحمه، وبدأت أقرأه قدام الكل:
"لو الجواب ده اتفتح، يبقى أنا عارف إن فوزية عدت الحدود اللي كنت خايف تعديها. أنا اللي بنيت البيت ده، بس البيت مش حيطان، البيت كرامة. يا ابني، لو بتقرأ الكلام ده،
وأخر سطر في الجواب كان زي السكينة:
"من اللحظة دي، فوزية وأي حد من القرايب عايش في البيت ده، ملوش قعدة إلا بموافقة ريهام."
الحالة في الصالة اتغيرت تماماً. أمي اللي كانت من شوية "ست البيت" القوية، فجأة رجلها مشالتهاش وقعدت على الكرسي وهي بتبص لريهام بنظرة تانية خالص.. نظرة حد استوعب إن الأرض اللي هو واقف عليها، ملك الشخص اللي لسه ضاربه بالقلم.
أمي سألت بصوت مهزوز: "يعني إيه؟ هترميني في الشارع؟"
بصيت لريهام، اللي كانت لسه بتمسح دمها بطرف طرحتها، بس المرة دي وقفت بصلابة وقالت:
"أنا مش بتاعة انتقام.. بس من النهاردة، فيه حدود. مفيش حد يدخل أوضتي من غير إذن، مفيش تجريح في أهلي ولا في شغلي، ومفيش إيد تترفع عليا تاني.. وإلا البيت ده هيتنفض من أوله لآخره."
الحكاية مخلصتش بإننا طردنا حد، بس خلصت بإن "السكوت" اللي كان مالي حياتي انتهى. أمي عرفت إن الله حق، وبدأت تعامل ريهام باحترام - ولو بدافع الخوف في الأول - بس مع الوقت، ريهام بأصلها قدرت تكسر كبرها وتخليها تحبها بجد.
الورق هو اللي رجع الحق، بس كرامة ريهام هي اللي رجعت الروح
تمت.