في يوم رجعت من الشغل، رن التليفون فجأة… المستشفى على الخط بتقول لي: "ابنك عمل حادثة!"… اتصدمت على طول، لأن أنا أصلاً مش متجوزة وما عنديش عيال!

لمحة نيوز

في يوم رجعت من الشغل، رن التليفون فجأة… المستشفى على الخط بتقول لي: "ابنك عمل حادثة!"… اتصدمت على طول، لأن أنا أصلاً مش متجوزة وما عنديش عيال!……


 ​الموضوع بدأ يوم تلات، الساعة كانت 11:30 بالليل. كنت قاعدة في المطبخ، حافية وتعبانة وطلعت روحي في الشغل، وكنت بحاول أقنع نفسي إن شوية "كورن فليكس" بلبن يتعبروا عشا محترم. فجأة تليفوني رن، رقم غريب.. في العادي مبردش في وقت زي ده عشان بيبقى يا إما حد بيبيع فيزا كارت يا إما حد من الشغل نسي نفسه، بس المرة دي قلبي قرصني ورديت.
​"أيوة، مع حضرتك الأستاذة نورا السويفي؟" صوت واحدة ست.
قلت لها: "أيوة أنا، خير؟"
قالت لي: "يا فندم إحنا من مستشفى القصر العيني، في طفل هنا عامل حادثة وحضرتك مكتوبة في بياناته إنك جهة الاتصال في الطوارئ."
​أنا تنحت، وبقيت بضغط على التليفون جامد: "نعم؟ طفل مين؟ حضرتك أكيد غلطانة، أنا عندي 32 سنة، وسنجل، ومعنديش عيال أصلاً."
الممرضة سكتت شوية وقعدت تقلب في ورق، وبعدين قالت بصوت واطي: "يا أستاذة نورا، الولد مش بيبطل ينده باسمك.. أرجوكي تعالي، هو محتاجك."
​نزلت زي المجنونة، شعري مبلول، ولابسة فردة شراب غير التانية من اللبخة، وقلبي كان بيدق في زوري مش في صدري. وصلت المستشفى، قابلتني ممرضة اسمها "مدام مرفت" وقالت لي: "الولد في أوضة 12، بس قبل ما تدخلي، تعرفي حد اسمه عمر رشاد؟"
قلت لها: "لأ."
قالت لي: "طيب تعرفي واحدة اسمها رشا

رشاد؟"
​الاسم ده نزل عليا زي مية تلج……..
 
 رشا! صاحبة عمري، وزميلة السكن في الجامعة، الست اللي اختفت من حياتي من 12 سنة بعد خناقة كبيرة واتهامات ومقاطعة مخلصتش.
قلت بهمس: "كنت أعرفها.."
الممرضة بصت لي وقالت: "عمر بيقول إنها مامته."
​دخلت الأوضة، لقيت طفل صغير، شعره ناعم ونازل على قورته، وشه شاحب وشفته مجروحة، وأول ما شافني عينيه وسعت وبص لي بلهفة غريبة.. عينيه كانت شبه عينيها بالظبط.
بص لي وهمس: "نورا؟"
ريقي نشف، قلت له: "أيوة.."
دقنه بدأت تترعش وقال لي: "ماما قالت لي لو حصلي حاجة، لازم أدور على الست اللي عندها عينين اتنين.."
​وقفت مكاني مذهولة.. "الست اللي عندها عينين اتنين؟"
عمر هز راسه والدموع في عينيه: "قالت لي إنك الوحيدة اللي شفتي الوشين بتوعها."
​الكلام وجعني في أعماق قلبي. رشا زمان كانت أشطر وأجمل واحدة، كانت بتخلي أي قعدة ضحك وهزار، بس كان ليها جانب تاني "ضلمة".. أيام بتختفي فيها، أيام تضحك فيها بزيادة عشان تخبي وجعها، وعلامات زرقاء على دراعها كانت بتقول إنها "اتخبطت في الباب"، بس أنا كنت عارفة إن "وائل" خطيبها هو اللي كان بيعمل كدة. أنا كنت الوحيدة اللي شفت الوشين: الوش اللي بيضحك قدام الناس، والوش المرعوب اللي بيبكي في سكون.
​لما حاولت أساعدها زمان وبلغت أمن الجامعة، هي كدبتني وقالت إني بتبلى عليه، وأصحابنا كلهم صدقوها وطلعوني أنا اللي غيرانة وحقودة. رشا سابت السكن وبعدت،
ومن يومها مسمعتش عنها كلمة.
​سألت عمر: "فين ماما يا عمر؟"
وشه كرمش وقال: "مش عارف."
الممرضة شرحت لي إن عمر كان راكب عربية "أوبر" وعملت حادثة، السواق اتصاب بس عمر كان معاه شنطة فيها غيار، وظرف مقفول، وكارت عليه اسمي وعنواني ورقم تليفوني.
عمر مد لي إيده بالجواب: "ماما قالت لي متفتحوش إلا لو خفت."
​فتحت الجواب بإيد بتترعش، كان مكتوب بخط رشا المهزوز:
​"نورا، لو عمر معاكي دلوقتي، يبقى أنا أخيراً عملت اللي كان لازم أعمله من زمان. أنا أسفة إني اختفيت، وأسفة إني طلعتك كدابة وأنتي الوحيدة اللي كنتي شجاعة وبتقولي الحقيقة. وائل رجع يطاردنا تاني، وأنا مقدرش أخاطر بعمر. أرجوكي يا نورا، متخليهوش ياخد ابني.. كلمي الظابط حازم وهو فاهم كل حاجة. أنتي مش مديونة ليا بحاجة، بس أنا واثقة إنك زي ما شفتي الحقيقة زمان، هتشوفي ابني دلوقتي."
​كلمت الظابط حازم، وأول ما سمع اسم رشا اتنفض وقال لي: "الولد فين؟ أوعي حد يستلمه، خصوصاً لو جه واحد ادعى إنه أبوه. وائل رشاد خطر، ورشا بلغت عنه بس اختفت قبل المحضر ما يكمل."
​نفسي ضاق، وبصيت لعمر من إزاز الأوضة، كان قاعد ضامم البطانية عليه ومرعوب. دخلت له، وقربت الكرسي من سريره وقلت له: "أنا مش هسيبك الليلة دي يا عمر."
لأول مرة من ساعة ما وصلت، الولد خد نفسه طويل كأنه صدق إني جنبه.
​على الصبح، المستشفى كانت اتقلبت.. وائل جه، وكان لابس بدلة وشياكة وعامل دور الأب الملهوف، بس عينيه
كانت لسه باردة ومخيفة. الممرضة بلغت الأمن زي ما اتفقنا، وأنا وقفت سد بينه وبين أوضة عمر.
وائل بص لي بابتسامة صفرا وقال: "نورا السويفي؟ لسه برضه بتحشري نفسك في اللي مالكيش فيه؟"
رديت عليه بكل قوة: "والله المرة دي مش هسيبك يا وائل."
الأمن والظابط حازم وصلوا، واتضح إن ورق الحضانة اللي معاه قديم، وإن في أمر ضبط وإحضار ليه بسبب تهديدات وتتبع.
​بعدها بكام ساعة، رشا ظهرت.. كانت مستخبية في ملجأ للستات المعنفات، ولما عرفت إن عمر عمل حادثة وجريت على المستشفى. اللحظة اللي دخلت فيها الأوضة، عمر صرخ صرخة فرحة مش هنسى صوتها طول عمري. رشا اترمت تحت رجليه وهي بتعيط وتقول "أنا أسفة يا حبيبي".
​بصت لي، والـ 12 سنة اللي فاتوا دابوا في نظرة واحدة. كانت تعبانة وشكلها أكبر من سنها بكتير، بس كانت لسه صاحبتي.
قالت لي: "ملاقتش حد آمن منه عليكي."
هزيت راسي وقلت لها: "المهم إنكم بخير."
​وائل اتقبض عليه، والقضية خدت وقت، بس رشا المرة دي متهزتش. وأنا؟ فضلت معاهم.. بقيت "خالة نورا". عمر بدأ يروح المدرسة، وبقينا نخرج ونضحك، ورشا بدأت تتعافى من صدمات السنين.
​بعد سنة بالظبط، عمر رسم لي رسمة: تلاتة واقفين تحت شمسية كبيرة، وكتب تحتها: "الناس اللي بتيجي لما بنندهلها."
​أنا مأخدتش لقب "ماما"، ولا بقيت بطلة خارقة، أنا بس رفضت أغمض عيني عن طفل محتاج، ورجعت لصاحبتي اللي كنت فاكرة إني خسرتها للأبد. الحكاية مش إنك تشوف الحقيقة
وبس، الحكاية إنك تفضل واقف جنبها مهما حصل.

تم نسخ الرابط