اشتريت بيت طفولتي

لمحة نيوز

اشتريت بيت طفولتي

اشتريت بيت طفولتي في مزاد… وفي أول ليلة ليا جواه، أمي اتصلت بيا وهي بتعيط وقالت: "قوليلي بالله عليكي إنك لسه ما لقيتيش الأوضة اللي أبوكي قفلها بالطوب."
كان عندي ستاشر سنة يوم ما خسرنا البيت.

ما اتبعش… اتاخد مننا.

أبويا كان متأخر في الأقساط بقاله شهور، ومتجاهل كل الإنذارات، لحد ما في صباح شتوي مطر، جم ناس غُرب حطّوا عفشنا كله على الرصيف، وأمي واقفة في مدخل البيت حاطة إيديها على بقها ومش قادرة تنطق.

فاكرة أخويا الصغير كريم وهو بيعيط عشان كؤوس المدرسة بتاعته كانت مترمية جوه كيس زبالة سودا.

وفاكرة أبويا… ما بصّش لحد فينا وقتها.

بعدها نقلنا لشقة ضيقة فوق مغسلة هدوم، وأمي من يومها ما جابتش سيرة البيت تاني.

بس أنا… عمري ما نسيته.

فضل في بالي طول سنين الكلية، وطول شغلي في وظيفتين، وطول الليالي اللي كنت بنام فيها جعانة عشان أوفر فلوس. وكان عندي وعد واحد لنفسي: هرجّع البيت مهما حصل.

وبعد عشرين سنة… رجّعته فعلًا.

البيت نزل في مزاد بعد وفاة صاحبه الأخير. كان أصغر بكتير من اللي فاكراه، الدهان واقع، والحشائش مالية السلم، بس أول ما المفتاح لمس إيدي… عيطت.

في أول ليلة، فضلت ألف من أوضة لأوضة، ألمس الحيطان كأنها لسه فاكراني.

لحد ما لاحظت حاجة غريبة ورا المخزن الصغير

اللي جنب المطبخ.

حتة في الحيطة شكلها مختلف عن باقي البيت.

قبل ما أقرب، موبايلي رن.

كانت أمي.

كانت بتعيط بطريقة خوفتني… بالكاد فهمت كلامها.

قالت: "بالله عليكي قوليلي إنك ما لقيتيش الأوضة اللي أبوكي قفلها."

اتجمد الدم في عروقي.

قلت: "أوضة إيه؟"

سكتت شوية…

وبعدين همست بصوت مرتعش: "الأوضة اللي خلاني أوعده إني أنساها."

كدبت عليها وقلت إني ما شوفتش حاجة.

لكن أول ما قفلت، رجعت للحيطة دي وخبطت عليها بإيدي.

كان صوتها فاضي من جوه.

وإيديا بتترعش، جبت شاكوش قديم من الجراج، وكسرت جزء صغير.

ولما فتحت نور الفلاش وبصيت جوا…

اتسمرت مكاني
اللحظة اللي الفلاش نور فيها الفراغ اللي ورا الحيطة، ما كانتش مجرد "أوضة"؛ كانت كأنها كبسولة زمنية، ريحة التراب المختلطة بريحة بخور قديم خنقتني.
جوه، شفت مكتب خشب قديم جداً، وعليه "ماكيت" مصغر للبيت بتاعنا، بس بتفاصيل مرعبة.. كل حاجة في مكانها، حتى كؤوس كريم الصغيرة كانت مرسومة بدقة ومحطوطة في الماكيت.
لكن اللي وقع قلبي في رجلي هو الحيطان.. الحيطان كانت متغطية بصور ليا، ولينا كلنا، صور متصورة من بعيد.. صور لينا وإحنا في الشقة الضيقة اللي فوق المغسلة، صور ليا وأنا في الكلية، وصور وأنا بشتغل في الوظيفتين.
أبويا ما كانش "متجاهل" الأقساط.. أبويا كان "بيهرب"

بينا.
وسط المكتب، لقيت جواب متغلف بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط إيده اللي لسه حافظة تفاصيله: **"إلى ابنتي السما التي لم تستسلم.. افتحي الخزنة اللي تحت رجلك، بس اعرفي إن البيت ده ما كنش سكن، البيت ده كان سجن لشيء هما بيدوروا عليه."**
فجأة، سمعت صوت "تكة" خفيفة جاية من صالة البيت.. صوت خشب السلم وهو بيزيق تحت وزن حد طالع. أنا لوحدي في البيت، والباب مقفول بالمفتاح.
نزلت عيني للأرض، لقيت بلاطة خشب مهزوزة.. رفعتها بإيد بتترعش، لقيت خزنة حديد صغيرة ومعاها مفتاح قديم وشريط كاسيت. شغلت المسجل اللي كان محطوط على المكتب، وطلع صوت أبويا، بس كان صوته تعبان، بينهج كأنه بيجري:
> "سامحيني يا بنتي.. خسرت البيت قصاد حياتكم. الراجل اللي اشتراه في المزاد زمان ما كانش شخص عادي، ده كان واحد من اللي "أبوكي" خد منهم الأمانة. فضلت سنين بحرس البيت ده من بره وأنا بعيد عنكم عشان أشتت انتباههم. لو فتحتي الخزنة دي، هتلاقي (عقد ملكية) لأراضي في قلب القاهرة، قيمتها تخليكي مش بس ترجعي البيت، دي تخليكي تشتري الحي كله.. بس العقد ده هو اللي موّتني، وهو اللي خلاهم يهددوني بيكي وبأخوكي."

صوت تزييق السلم بقى أقرب.. بقى بره باب الأوضة المهدودة دي بالظبط.
ثواني، والباب اتفتح.. قلبي كان هيقف، بس اللي دخل ما 

كانش

"شخص غريب".
كان **كريم**.. أخويا.
واقف ووشه شاحب، وفي إيده نسخة من المفتاح القديم. بص للحيطة المهدودة وللأوضة، وعينه لمعت بدموع مش مفهومة.. هل هي دموع فرحة ولا صدمة؟
قرب مني وهمس: "أمي قالت لي إنك هتعمليها.. أمي ما كانتش بتعيط خوفاً عليكي من الأوضة يا سما، أمي كانت بتعيط لأن (الوقت جه) عشان نخلص اللعبة دي."
كريم مد إيده وخد مني العقد، وبص لي بابتسامة غريبة وقال: "أبويا ما ماتش يا سما.. أبويا مستنينا بره، والناس اللي طردونا زمان، هما دلوقتي اللي مستنيين العقد ده عشان "يفتحوا" المقبرة اللي البيت ده مبني فوقيها."
في اللحظة دي، النور قطع في البيت كله.. وما فضلش غير نور الفلاش اللي في إيدي مهزوز، وصوت أمي على الموبايل اللي لسه في جيبي بيرن تاني.. فتحت الخط وأنا مرعوبة، لقيت صوتها بيقول بهدوء مرعب: **"ما تصدقيش كريم يا سما.. كريم مات في الحادثة مع أبوكي من عشر سنين.. اللي واقف قدامك ده هو اللي خد البيت أول مرة."**
بصيت للي واقف قدامي.. الفلاش جه على وشه.. ملامحه بدأت تتغير، والابتسامة وسعت بطريقة مش بشرية.
لقيت نفسي محبوسة في أوضة مقفولة بالطوب، في بيت ملهوش مخرج، ومعايا "شخص" لابس وش أخويا، ومعايا سر يغير تاريخ العيلة كله.
مسكت الشاكوش بكل قوتي، وقررت إن البيت اللي ضحيت بعمري 

عشان

أشتريه.. هيكون هو المكان اللي هنهي فيه الكابوس ده للأبد.
 

تم نسخ الرابط