ضربني بالقلم قدام ميتين مدعو عشان ياخد المزرعة.. ميعرفش إن المكالمة اللي عملتها هتخليه يندم عمره كله !"
ضربني بالقلم قدام ميتين مدعو عشان ياخد المزرعة.. ميعرفش إن المكالمة اللي عملتها هتخليه يندم عمره كله !"
في فرح بنتي، جوزها طلب مني قدام ميتين مدعو إني أسلمه مفاتيح المزرعة. ولما رفضت، ضربني بالقلم لدرجة إني كنت هقع من طولي. خرجت بهدوء، وعملت مكالمة تليفون واحدة.. بس الصدمة ركبته لما شاف مين اللي وصل الفرح بعدها!
صوت القلم كان أعلى من "الدي جي" والزغاريط.
ولثانية واحدة، الزمن وقف، وميتين عين بصوا لي وكأنني أنا العار اللي بوّظ ليلة بنتي "العمر".
رجليا خبطت في بعض، وإيدي سندت على ترابيزة التورتة فالمعالق والشوك اترجت.. وفي ركن بعيد، سمعت شهقة عيل صغير خايف.
وقف "برنس الزمان" جوز بنتي، "عصام"، ببدلته البيضاء الناصعة، وهو راسم ابتسامة نصر على وشه وكأنه لسه ماضي عقد تمليك كوكب الأرض.
وطى على ودني بصوت واطي بس مسموع لكل اللي قاعدين في الصفوف الأولى:
— "بلاش فضايح يا حماتي.. هاتي مفاتيح المزرعة بالذوق."
بنتي "هنا" كانت واقفة جنبه بفستانها المنفوش، وشها كان أبيض من البودرة من كتر الخوف.
همست لي بكسرة:
— "يا ماما.. أبوس إيدك، مِشّيها النهاردة."
الكلمة دي كانت أحرق من القلم ميت مرة.
المزرعة دي ورث أبا عن جد.. أربعين فدان شجر تفاح وذرة، والبيت الكبير اللي المرحوم "الحاج إسماعيل" بناه طوبة طوبة بعرقه.
أول ما "عصام" دخل بيتنا، كان بيقول عليها "أرض بائرة وما تسواش".
بس أول ما الحكومة أعلنت عن المحور
وفجأة.. "الأرض اللي ما تسواش" بقت منجم دهب.
حماته، "ست هانم" عاملة فيها شيك، رفعت كاس العصير وقالت بلقمة:
— "يا ستي يا إيفلين، ملوش لزوم الدراما دي.. إنتِ ست وحيدة دلوقتي، وهتتراعي في الأرض دي إزاي؟ كبري دماغك."
صداق عصام ضحكوا بسماجة.
وحيدة.
ده اللي افتكروه عني.
أرملة عندها 62 سنة، لابسة فستان كحلي، وبتحاول تداري آثار الطين اللي تحت ضوافرها بشوية مانيكير ما بيثبتش.
الست اللي بتعمل صواني الرقاق وتوزعها في الجامع.. الأم الغلبانة اللي عايزة تستر بنتها ومستعدة تدوس على كرامتها عشان "المركب تمشي".
عصام قرب مني ومد إيده:
— "المفاتيح.. مش إنتِ وعدتي (هنا) بهدية فرحها؟"
بصيت في عينه وقلت له:
— "أنا وعدتها بالحب."
وشه اتغير والابتسامة اختفت:
— "الحب ما بيأكلش عيش ولا بيدفع ضرايب."
مسحت دم خفيف نزل من بوقي وقلت ببرود:
— "صح.. بس الطمع بيعلم صاحبه الأدب."
برقت عينيه بغل.
حماته حشرت مناخيرها تاني:
— "بتقولي إيه يا ولية إنتِ؟"
وقفت وفردت ضهري. خدي كان بيغلي، بس قلبي كان بارد.. بارد بشكل يخوف.
زي الهدوء اللي بيسبق "النوّة".
بنتي مسكت ذراعي وهي بتعيط:
— "يا ماما، بلاش تبوظي الفرح."
بصيت لبنتي.. البت اللي علمتها إزاي تزرع الشتلات بإيدها وتركب الخيل.
وسألت نفسي: "هو عمل فيها إيه عشان يخليها تخاف مني بدل ما تتحامى فيا؟"
بصيت له
— "إنت غلطت غلطة عمرك."
ضحك باستهزاء:
— "لا يا حماتي.. إنتِ اللي غلطتي لما فكرتي إنك تقدري تقولي (لا)."
لفيت ضهري وخرجت.
مشيت وسط المعازيم اللي فاتحين بوقهم من الذهول، عديت من تحت ورد الكوشة، وجنب المصور اللي نزل كاميرته وكأنه بيصور "خناقة شوارع".
بره القاعة، هوا أكتوبر كان سعه شديدة.. بس كانت أرحم من قلم عصام.
طلعت الموبايل وإيدي ثابتة، وعملت المكالمة اللي كنت شايلاها للزمن.
عشر دقايق بالتمام، وصوت السارينات غطى على أغاني الفرح.
المعازيم خرجوا يجروا يتفرجوا في إيه.
وقفت أول حاجة عربية "بوكس" سوداء.
وبعدها عربيتين نجدة.
وفي الآخر.. عربية مرسيدس شيك، صاحبها "المنطقة" كلها بتعمله ألف حساب.
نزل منها "المستشار رأفت" — عم عصام نفسه — الراجل اللي كان لسه ماضي على قسيمة الجواز كشاهد من ساعة واحدة.
بس المرة دي، ما جاش عشان يبارك.
وراه نزل وكيل النيابة، والمحامي اللي كنت موكلاه من ست شهور، من ساعة ما شميت ريحة "لعبة" من عصام وأسئلته الكتير عن عقود الأرض.
عصام وشه بقى لونه زي الكفن.
تمتم وهو بيترعش:
— "يا عمي.. في إيه؟ إيه اللي جابك؟"
المستشار بص له بقرف وقال:
— "إنت ضربت ست في فرح بنتها وقدام الناس يا عصام؟ ده غير البلاغ اللي اتقدم فيك بالاعتداء والابتزاز والتزوير.. والست دي معاها اللي يوديك ورا الشمس."
طلعت لقدام وقلت بصوت يهز المكان:
— "من ست شهور عرفت إن البيه زور إمضتي عشان ينقل ملكية
الناس بدأت تشهق وتبرطم.
بنتي "هنا" وقعت منها بوكيه الورد من الصدمة.
بصيت لبنتي وقلت لها:
— "يا هنا.. أنا بحبك. بس مش هسمح لواحد — حتى لو كان جوزك — يسرق شقا أبوكي وعرقي. المزرعة دي مش هدية فرح.. دي عرضنا وشرفنا."
الظابط قرب وكلبش عصام ببدلته البيضاء، وسط الزفة اللي قلبت "مأتم" لكرامته.
قعد يصرخ زي النسوان وهو بيتسحب:
— "مش هسيبك! ده فرحي!"
أمه حاولت تردح، وكيل النيابة شاور لها بإيده:
— "يا ست إنتِ، كلمة كمان وهتتحصلي ابنتك بتهمة التواطؤ."
بنتي كانت واقفة زي الصنم، الكحل سايح على وشها والدموع غسلت المكياج.
قالت بصوت مكسور:
— "يا ماما.. والله ما كنت أعرف إنه واطي كده."
قربت منها، وطبطبت على خدها بحنية:
— "عارفة يا قلب أمك. ودلوقتي قدامك طريقين.. يا تكملي مع واحد يمد إيده على أمك عشان طمعان في قرشين، يا ترجعي لبيتك معززة مكرمة."
بعد تلات شهور، "هنا" اتطلقت والحمد لله.
وعصام خسر كل حاجة: قضية الضرب، والتحايل، واتحكم عليه بسنتين سجن مع الشغل.
أما المزرعة.. ففضلت زي ما هي، "الأرض اللي ما بتخونش صاحبها".
حولت جزء منها لمؤسسة خيرية باسم "الحاج إسماعيل"، وبنيت فيها مشتل كبير.
بنتي رجعت لحضني، بدأت تفوق وتعرف إن الحب مش "كلمتين حلوين"، الحب "راجل
وأنا في سني ده.. بقيت أحس إني أقوى من أي وقت فات.
أنا عمري ما كنت وحيدة.
أنا بس كنت "ست هادية".
والست الهادية لما بتجيب أخرها.. بتبقى "إعصار" ما بيخليش ولا بيذر.