أبويا اتصل بيا الساعة واحدة بالليل مش عشان يطمن عليا.. اتصل عشان يقولي:
أبويا اتصل بيا الساعة واحدة بالليل مش عشان يطمن عليا.. اتصل عشان يقولي: (لو جيتي العزومة بكره، حطي لسانك جوه بقك واكتمي سرنا مكنش يعرف إن سكوتي هو اللي هيفضحهم."
أبويا اتصل بيا الساعة واحدة ونص بالليل… التوقيت اللي أي رنة فيه بتحسسك إن مصيبة حصلت.
كنت قاعدة في شقتي في القاهرة الجديدة، وسط ورق قضايا وملفات مرمية على السفرة، وبشرب قهوة بقالها ساعات بردت، لما لقيت اسمه منور على الموبايل.
رديت بسرعة:
“خير يا بابا؟”
صوته كان متوتر بطريقة غريبة، وقال وهو بيحاول يبان هادي:
“بصي يا سارة… بكره هنتعشى مع أهل خطيبة أخوكي كريم، وعاوزك تيجي… بس لو سمحتي، اقعدي ساكتة.”
رفعت حاجبي وأنا مستغربة:
“ساكتة عن إيه؟”
قبل ما يرد، أمي خطفت الموبايل منه وصوتها ضرب في ودني:
“أبو البنت مستشار كبير يا حبيبتي، وإنتي دايمًا بتحبي تعملي نفسك فاهمة وتحرجينا قدام الناس.”
ضحكت ضحكة صغيرة مالهاش نفس.
مش عشان الموضوع يضحك…
عشان متوقعة.
أنا اسمي سارة عزت. عندي 35 سنة، وبشتغل وكيلة نيابة.
ومن وجهة نظر عيلتي؟
أنا المشكلة المتحركة في البيت.
ليه؟
عشان مبعرفش أجامل الكدب.
ومبعرفش أشوف الغلط وأسقف له.
في عيلتنا، الشخص “المريح” هو اللي ينافق ويسكت.
أما اللي يقول الحقيقة… يبقى “رخم” و”محرج”.
وأخويا الكبير كريم؟
ده كان مشروع ابن مدلل ماشي على رجلين.
• دخل مشروع وخسره؟ بابا يدفع.
• استلف ومارجعش؟ ماما تلم الدنيا.
• عمل شركة وفشلت؟ “ظروف”.
• غرقان ديون؟ “هيقف على
وكانوا دايمًا يتعاملوا معاه كأنه طفل عبقري الدنيا ظالمه.
دلوقتي كريم اتخطب لـ”هنا الشاذلي”، بنت المستشار يحيى الشاذلي.
وفجأة عيلتي كلها بقت ماشية على أطراف صوابعها.
ساعتها فهمت إن المكالمة دي مش خوف عليا…
دي كانت عملية “سيطرة على الأضرار”.
بابا قال بهدوء:
“خليكي لطيفة بس.”
قلت:
“أنا دايمًا لطيفة.”
أمي ضحكت بسخرية:
“لا يا حبيبتي… إنتي فاكرة إن عشان بقيتي وكيلة نيابة يبقى كل الناس عايزة تسمع تحقيقاتك. اختصري.”
اختصري.
الكلمة اللي أمي بتقولها كل مرة تحب تصغرني بيها قدام الناس.
تاني يوم، وصلت المطعم.
مكان فخم بشكل مبالغ فيه.
نجف كريستال ضخم.
إضاءة دافية ناعمة.
جدران خشب غامق.
كاسات بتلمع.
وبيانو هادي شغال في الخلفية.
أمي لابسة فستان أسود شيك زيادة عن اللزوم، ومركبة ابتسامة مصطنعة.
بابا قاعد مشدود ومتوتر.
كريم ببدلته الكحلي عامل نفسه رجل أعمال عالمي.
وهنا قاعدة جنبه مبتسمة بثقة.
وعلى أول الطرابيزة…
المستشار يحيى الشاذلي.
أول ما دخلت، رفع عينه عليّا…
وفجأة وشه اتغير.
وقف بالنص وهو ماسك كاس العصير وقال بدهشة حقيقية:
“أستاذة سارة؟!”
الترابيزة كلها سكتت.
المستشار قرب مني وقال:
“إيه المفاجأة دي؟ إنتي تبقي إيه للعيلة دي؟”
في اللحظة دي…
حسيت الهوا وقف.
أبويا فتح بقه ومطلعش صوت.
أمي اتجمدت وهي ماسكة المنديل.
كريم وشه قلب ألوان.
المستشار مكنش متضايق…
كان مستغرب.
وده أخطر.
لأن الغضب ممكن تسيطر عليه…
لكن
حطيت شنطتي بهدوء وقلت:
“أنا أخت كريم.”
هنا شهقت:
“أخته؟!”
المستشار بص لكريم، وبعدين رجع بصلي تاني:
“معقول؟”
هنا بصت لخطيبها بسرعة وقالت:
“إنت قلتلي إن أختك شغالة سكرتيرة إدارية في شركة!”
كدت أضحك.
سكرتيرة إدارية؟
كريم اختصرني ومسح شغلي وتاريخي كله… عشان خايف من فكرة إن أخته وكيلة نيابة، وبتشوف النصابين كل يوم.
خصوصًا إنه هو نفسه…
كان عنده أسرار محتاجة تتدفن.
المستشار يحيى كان فاكرني كويس.
من أسبوعين بس كنت واقفة قدامه في قضية نصب كبيرة، واترافعنا ساعات.
وكان عارف أنا مين.
أمي حاولت تنقذ الموقف بسرعة:
“إحنا بس مبنحبش نتكلم في الشغل وسط الأكل.”
المستشار رد بهدوء بارد:
“واضح… لدرجة إنكم مخبيين إن بنتكم من أكفأ الناس اللي بيقفوا قدامي في المحكمة.”
وش أمي اصفركريم ضحك بتوتر:
“ماحسيناش إن الموضوع مهم.”
بصيتله مباشرة وقلت:
“لا… إنت كنت شايف إني محرجة.”
هنا سكتت وبصتله بصدمة:
“محرجة؟”
ولا حد رد.
لأن الحقيقة كانت أوحش.
من كام شهر، كريم كان داخل في قضية نصب خاصة بحجز شقة فاخرة، وفيه ورق واتفاقات متلعب فيها.
مش قضية جنائية…
بس كفاية تدمر صورته قدام أي عيلة محترمةوعيلتي كانت مرعوبة إن المستشار يعرف…
أو يسأل سؤال يخليني أتكلم.
المستشار بص لأبويا وقال بوضوح:
“إيه اللي كنتوا خايفين بنتكم تقوله بالظبط؟”
وفي اللحظة دي…
العشا قلب تحقيق رسمي.
بابا اتوتر وقال بعصبية:
“دي مشاكل عائلية.”
المستشار رد بهدوء:
“يبقى
الكلمة نزلت على الترابيزة زي القنبلة.
هنا قامت واقفة ببطء وبصت لكريم:
“إنت قلتلي إن أختك بعيدة عنكم… وإنها بتحب الدراما.”
كريم بصلي بكره واضح لأول مرة.
وأمي بصتلي بعين مكسورة وقالت:
“سارة… أرجوكي ماتكبريش الموضوع.”
ماقالتش:
“وضحي.”
ولا:
“افهميهم.”
قالت:
“اصغري.”
زي كل مرة.
اسكتي عشان الكدب يكمل.
لكن المرة دي…
ماكنتش ناوية أختفي.
بصيت للمستشار وقلت بهدوء:
“أنا ماكنتش ناوية أتكلم أصلًا. هما بس كانوا خايفين إن حد يعرف إن كريم داخل في قضية تخص بيانات مالية مضللة في مشروع شقق.”
هنا بصت لخطيبها بصدمة:
“إيه القضية دي؟”
كريم انفجر:
“موضوع تافه!”
بصيتله وقلت:
“لو تافه… مكانش بابا اتصل بيا الساعة واحدة ونص بالليل يطلب مني أسكت.”
أمي قفلت عينيها.
بابا سكت.
والمكان كله بقى تقيل بطريقة تخنق.
المستشار نزل الكاس من إيده بهدوء وقال وهو باصصلي:
“أنا مقدّر جدًا ضبطك لنفسك.”
والله الجملة دي وجعتني.
شان لأول مرة حد يشوف المجهود اللي بقالي سنين بعمله…
إني بكتم نفسي.
وبصغر نجاحي.
وبعمل نفسي أقل…
عشان أخويا يبان أكبر.
وقفت، أخدت شنطتي، وقلت بهدوء:
“إنتوا طلبتوا مني أسكت… وأنا فعلًا سكت. بس الحقيقة عمرها ما بتستخبى.”
ولفيت ومشيت.
ولا حد وقفنيبعدها بـ3 أيام…
هنا فسخت الخطوبة.
وعيلتي قاطعتني أكتر من شهر.
بابا بعتلي فويس طويل بيقولي:
“إنتي دمرتي مستقبل أخوكي بغرورك.”
بس الحقيقة؟
أنا مادمرتوشش.
أنا بس بطلت أغطي عليه.
وأكتر حاجة فضلت عالقة في دماغي من الليلة دي…
مش فسخ الخطوبة.
لكن سؤال المستشار وهو باصصلي وسط الصمت:
“إنتي تبقي إيه للعيلة دي؟”
لأنهم للحظة…
ماعرفوش يجاوبوا.
وكأن وجودي بينهم كان سر لازم يستخبى…
مش بنت المفروض يفتخروا بيها.