جملة واحدة سمعتها عند باب البيت غيرت حياتي لـ ١٨٠ درجة
جملة واحدة سمعتها عند باب البيت غيرت حياتي لـ ١٨٠ درجة."
كنت مروّح من المكتب بدري، وفي إيدي بوكيه ورد أبيض وشنطة فيها لبس أطفال لسه ريحته جديدة. كنت عاوز أفاجئ "فاليريا"، مراتي اللي في شهرها السابع. اه، الدنيا كانت مشدودة بينا بقالها أسابيع، بس قلت عادي.. تعب حمل، هرمونات، وتجهيزات الولادة.
"مراتك بتنضف قرفها قبل ما الواد يشرف!"
دي كانت أول جملة سمعتها أول ما فتحت باب الشقة.
يا غبائي.. بوكيه الورد وقع من إيدي من الصدمة. "فاليريا" كانت راكعة على الرخام، بتعيط في صمت، ودراعاتها محمرة ومجرحة وهي بتفرك الأرض بقماشة غرقانة كلور. فستان الحمل متبهدل، وركبها مزرقة، وصوابعها بتترعش كأن عندها حمى.
وعلى الكنبة، كانت أمي، "هانم" هانم، قاعدة بتاكل فاكهة بملعقة فضة بمنتهى البرود. وجنبها "نورما"، الممرضة اللي أمي صممت تجيبها، واقفة وكأن اللي بيحصل ده طبيعي جداً.
"فاليريا؟".. نطقت اسمها وصوتي مكنتش عارفه.
رفعت راسها وبصت لي بخوف، وانكمشت في نفسها كأنها مستنية مني قلم على وشها. المنظر ده دبحني من جوه. ماكنش الكلور ولا الدموع اللي وجعوني، اللي وجعني بجد إن مراتي — اللي شايلة ابني — خايفة مني!
نزلت لمستواها على الأرض: "هاتي القماشة دي."
همست وهي بتترعش: "خلاص هخلص أهو.. وحياة أغلى حاجة عندك يا دييغو ما تزعل.. أنا نضفت تقريباً كل حاجة."
حسيت بنار قايدة في صدري. أخدت منها القماشة بالعافية، كانت متبتة فيها بيأس.. مش قوة، ده رعب.
"محدش هيعاقبك.. بصي لي.. مفيش حد هيلمسك."
نورما
مابصيتلهاش أصلاً. زعقت لـ "آنا" أختي الصغيرة اللي كانت واقفة متسمرة: "آنا! هاتي بطانية. وأنتي يا أمي، هاتي فوطة نظيفة.. حالاً!"
ولأول مرة في حياتي، أمي نفذت كلامي من غير ولا كلمة.
بس الممرضة "نورما" فضلت تتكلم لسه: "الستات الحوامل بيتهبلوا ساعات، مراتك محتاجة شدة، هي أصلاً جاية من بيئة صعبة ومش فاهمة الأصول في عيلة زي عيلتنا."
بصيت على دراعات فاليريا.. علامات صوابع معلمة، كدمات قديمة تحت الكم، وخدوش في معصمها.
بصيت لأمي: "من إمتى؟".. ماردتش.
"بقولك من إمتى المهزلة دي بتحصل في بيتي؟"
نورما فتحت بقها، قاطعتها بحدة: "ولا كلمة!"
أمي حطت الفوطة على التربيزة وهي باصة للأرض. "فاليريا" كانت لسه بتترعش تحت البطانية. أمي قالت أخيراً: "ما تكبرش الموضوع.. إحنا بس بنحاول نجهزها."
"تجهزوها لإيه بالظبط؟"
بصت لي ببرود يقرف: "عشان تبقى أم تليق بحفيد عيلة "دييغو"."
في اللحظة دي فهمت إن ده مش حادثة.. دي كانت خطة.
طلبت من آنا تاخد فاليريا الأوضة وماتسيبهاش لحظة. ولما فاليريا مرت من جنب أمي، أمي حاولت تلمس كتفها، فاليريا اتنفضت لدرجة كانت هتقع.
أول ما الباب اتقفل عليهم، لفت ليهم: "عاوز الحقيقة."
نورما ربعت إيدها وقالت: "الحقيقة إن مراتك مش متزنة، بتعيط على أتفه سبب، وبتتبلى علينا عشان تسيطر عليك. أنا بس كنت
وش أمي جاب ألوان.. "اسكتي يا نورما!"
بس خلاص، السد اتهد. "تعليمات إيه؟"
نورما ضحكت بتوتر: "الست والدتك هي اللي وظفتني عشان "أربي" السنيورة. قالت لي إن فاليريا ضعيفة، "بنت ملجأ"، وبتمثل دور الضحية عشان تاكلك. طلبت مني أكون ناشفة معاها."
سكتت وأنا بفتكر كل مرة فاليريا كانت بتعتذر فيها على حاجات هبلة.. لو كوباية اتكسرت.. لو نامت كتير من التعب.. لو عيطت من وجع ضهرها. افتكرت يوم ما قالت لي: "نورما بتخوفني"، وأنا بكل غباء وأنا باصص في اللابتوب قلت لها: "أكيد هي بس قلبها عليكي يا حبيبتي."
عمرى ما كرهت نفسي زي اللحظة دي.
بصيت لأمي: "عملتي كدة فعلاً؟"
رفعت راسها بكبرياء: "كنت بحاول أنقذ حفيدي من واحدة منهارة نفسياً!"
"فاليريا دي مراتي!"
"فاليريا دي واحدة بيئة ماتناسبناش!" قالتها باحتقار. "أنت دلعتها بزيادة عشان تعيش دور المنقذ، بس ابنه محتاج أم قوية، مش "يتيمة" بتعيط عشان طلبنا منها تنضف نفسها."
ماضربتهاش بيدي.. ضربتها بكلامي.
فتحت الباب: "نورما، قدامك دقيقة واحدة وتغوري من بيتي."
"ولو مغورتش؟"
"هطلب البوليس، وهكلم المحامي بتاعي، وهضمن إنك ما تلمسيش ست حامل تانية في حياتك."
نورما بصت لأمي ومقتش منها فايدة، قامت شاتمة: "ولية جبانة!" ومشيت.
أمي بدأت تعيط: "ماكنش المفروض الموضوع يوصل لكده.."
ماقالتش "ماتعرفش"، ماقالتش "سامحني".. قالت بس إنه "ماكنش المفروض يوصل لكده".
"اطلعي بره."
"أنا أمك!"
"وهي أم ابني."
"هتطردني عشان
"دي".. كلمتين قطعوا ٣٤ سنة طاعة. فتحت الباب على آخره: "بره."
طلعت لفاليريا، لقيتها قاعدة على السرير، لافة نفسها في الروب بتاعي، ونظرتها تايهة.
ركعت قدامها: "سامحيني."
ماعيطتش.. وده كان أصعب.
همست: "لما بتقولها كدة.. بخاف إنك تكون كنت عارف ومطنش."
الكلمة كانت زي السكينة. كملت: "في حاجة تانية يا دييغو.. حاجة قالتها نورما عن أمك.. وعن ابني."
قالت لي إنهم كانوا بيخططوا يثبتوا إني "مجنونة" بعد الولادة. لو عيطت أو خالفتهم، هيجيبوا دكتور نفسي يكتب تقرير إني غير مؤهلة، ويآخدوا الطفل مني بحجة "ماضيّ" وإني يتيمة وماليش حد.
في ليلتها، أخدتها المستشفى. ثبتنا كل حاجة: الحروق، الكدمات، حالة الجنين.
تاني يوم، غيرت كوالين البيت. المحامي بعت إنذارات رسمية.
أمي اتصلت مية مرة.. عياط، شتيمة، اتهامات.. وفي الآخر قالت: "الواد ده حتة مني ومن حقي!"
لأ.. ابني مش ملكية خاصة لحد.
الشهور عدت، فاليريا بدأت تتعافى نفسياً. وأنا اتعلمت أسمع.. ما أبررش.. ما أقولش "أصلها أمي".
ابننا "سانتياغو" شرف الدنيا. بكت وهي بتمسك إيدي وبتقول: "ما تسيبنيش."
"عمري ما هعملها."
لما أمي بعتت رسالة بعد شهور بتقول إنه كان "سوء تفاهم"، فاليريا قالت بكلمة واحدة: "مش عاوزه يقرب من ابني."
قطعت الرسالة.. "مش هيقرب."
بعد سنة، شفت فاليريا قاعدة في الشمس بتلعب مع ابننا وهي بتضحك من قلبها.
فهمت وقتها إن قسوتهم ماكنتش عشان يوجعوا جسمها.. كانت عشان يقنعوها إن "طيبتها" ضعف.
بس فاليريا مكنتش
ومن يومها، باب بيتي مقفول في وش أي أذى.
عشان العيلة مش بالمظاهر.. العيلة هي إنك تصدق اللي بيترعش قدامك، وتقفل الباب في وش القريب قبل الغريب لو كان ناوي يهد حياتك