عمرك تخيلت إن كيس مية بـ 5 جنيه ممكن يهد حياتك ويفتح لك باب جهنم؟
عمرك تخيلت إن كيس مية بـ 5 جنيه ممكن يهد حياتك ويفتح لك باب جهنم؟
أنا بكتب الكلام ده من الكنبة الورانية في بوكس الشرطة.. ريحة العرق والدموع ماليين هدومي، والكلبشات معضّة في إيدي، والموبايل مسنود على ركبي بالعافية. بحاول أحكي قبل ما الناس تنهش في لحمي وتقول عليا "وحشة" أو "مجرمة".
العسكري اللي قدامي كل شوية يبص لي في المراية، كأنه مستني شيطان يطلع من بوقي، ولما نطق، صوته كان مهزوز زي طفل خايف:
"يا ست هانم، أنا شفت حرامية، وشفت بتوع سحر، وشفت خطف عيال.. بس اللي حصل ده؟ ده ليفيل تاني خالص من الشر!".. وماقدرتش أرد عليه، عشان هو معاه حق.
الحلم الوردي.. "كندا يا تولو"
اسمي "مدام نادية"، ولحد امبارح العصر، كنت ست بيت عادية في التجمع. بصدق في ربنا، وبصدق في الشغل، وبصدق في "الكذبات الصغيرة" اللي الرجالة بيحكوها عشان المركب تمشي.
بيتي كان فيلا دورين، ريحة المعطر والفلوس "النضيفة" واصلة لآخر الشارع. جوزي "شريف" كان راجل مالي مركزه، الكل بيعمله ألف حساب، والناس بتبوس إيده في المناسبات. كان "بيزنس مان"، يعني حاويات بتتحرك، تليفونات غالية بتظهر، ورصيد بيزيد.. وأنا كنت نايمة في العسل، عشان الراحة دي "نومة طرية" بتخلي الواحد يغمض عينيه عن أسئلة كتير.
بنتنا الوحيدة "تالا"، كانت فخر حياتنا. لسانها طويل، عنيدة، بس ضحكتها ترد الروح. لما تمت 18 سنة قالت: "يا ماما أنا عايزة أبقى دكتورة"، وكنت مستعدة أبيع
الفرحة المسمومة
في يوم، شريف دخل والضحكة من الودن للودن: "مبروك يا نادية! ربنا فتحها في وشنا، تالا جالها منحة طب كاملة في تورونتو.. كندا يا مدام!"
وقعت من طولى من الفرحة.. صرخت وزغردت وكلمت طوب الأرض. شريف كان واقف بيبص لي ببرود غريب، كأنه بيراقب رد فعلي أكتر ما هو فرحان للبنت.
جهزنا الشنط.. ملوخية ناشفة، جبنة قديمة، وسويترات تقيلة تخبي بنتي من برد الغربة. وفي ليلة السفر، كانت تالا قاعدة على السرير، بتآكل في ضوافرها وخايفة من التلج، قلت لها "هتوحشينا يا قلب ماما"، بصت لي بصه كانت عايزة تقول فيها حاجة.. بس سكتت.
عند الفجر، شريف قال: "أنا هوصلها المطار لوحدي، إنتي قلبك خفيف وهتقعدي تعيطي وتأخرينا". ووافقت.. أصل الستات بتتعلم تشتري دماغها عشان "البيت يكمل".
كدبة السنين
عدت تلات سنين.. تالا في كندا.
• أقوله عايزة "فيديو كول"، يقولي: "الشبكة هناك وحشة، والنت بيقطع".
• أقوله البنت وحشاني، يشغل لي "ريكورد" قديم ليها وهي بتضحك.. وماخدتش بالي إن الريكوردات مابتتغيرش!
• يوريني صور ليها وسط التلج، بس الصور كانت دايما "نضيفة زيادة"، مفيش ناس، مفيش روح.. كأنها صورة ملزوقة على خلفية، وأنا زي الهبلة كنت بسقف وبقول "يا رب احميها".
الفلوس بدأت تزيد بغباوة.. عربية "مرسيدس" لسه زيرو، لبس براندات، وشريف بقى "حوت". ولما كنت أسأله "مش هنروح نزور البنت؟"، كان يضحك ويقولي "
صدمة "محور صفط اللبن"
امبارح العصر.. كنت في مشوار في وسط البلد، والجو كان نار، ريحة العرق والزحمة تخنق. السواق قال لي: "يا هانم هناخد طريق مختصر عشان نلحق".
الطريق المختصر بقى "كمين". الزحمة وقفتنا، والعربيات بقت كباري حديد بتغلي.
فتحت الشباك عشان أخد نفس، وشاورت لبنت "سريحة" بتبيع أكياس مية ساقعة في وسط العربيات. البنت قربت.. بشرتها كانت محروقة من الشمس، شعرها منكوش ومترب، وهدومها مقطعة.
مدت إيدها بشنطة المية وقالت بصوت ناشف: "المية يا مدام.. هاتي الحساب".
الصوت ده.. الصوت ده هز كياني. صوت عارفاه أكتر من صوتي أنا.
بصيت في وشها.. الملامح كانت أكبر، الهم والعذاب كبروها عشر سنين.. بس في حاجة في عينيها ندهت عليا.
قلت بهمس ورعشة: "تالا؟"
البنت اتخضت وسحبت إيدها: "يا مدام هاتي الفلوس وسيبيني في حالي!".
مسكت إيدها بالعافية وصوت صراخي بدأ يعلى: "بصي لي يا تالا.. أنا أمك!".
الناس بدأت تزمر وواحد يزعق: "يا مدام حركي العربية!".. وأنا عالمي بينهار.
البنت كانت بتقاوم، بس شفت "الوحمة" اللي في رقبتها.. الوحمة اللي كنت ببوسها وهي لسه بيبي. وشفت الجرح الصغير اللي في حاجبها من وقعة العجلة وهي عندها 7 سنين.
دي بنتي.. "الدكتورة" اللي في كندا، واقفة بتبيع مية في عز الظهر في شوارع القاهرة!
الحقيقة المُرّة: "أول قطفة"
سحبتها جوه العربية بالعافية والسواق مذهول.
وبدأت تحكي.. والسكاكين بدأت تقطع في قلبي.
"شريف" ماوداهاش المطار.
وداها لمنطقة مهجورة، لراجل "دجال" عينه بتخوف. شريف قدم بنته "قربان" للشيطان عشان البيزنس يكبر.
الراجل رش على وشها بودرة، وصحيت لاقية نفسها "ممسوحة الذاكرة"، مرمية تحت كوبري.
تلات سنين بتموت كل يوم.. تلات سنين شريف كان بيروح "يتفرج" عليها وهي بتبيع مية وبتتضرب من السريحة، عشان "العمل" يكمل!
الراجل قال له: "عشان تعلى وتغنى.. لازم أول قطفة تتداس تحت الرجلين". طول ما هي بتتعذب تحت الشمس، هو هيعد ملايين في الضلمة!
القصاص
وصلت البيت.. الفيلا اللي كانت كدبة كبيرة. شريف كان قاعد بياكل "بط" وبيشوف الأخبار ببرود.
دخلت عليه وأنا ماسكة إيد بنتي "الخيال".
شريف شافها.. اللقمة وقفت في زوره، والمعلقة وقعت على الأرض.
لثانية شفت في عينه الرعب.. وبعدها حاول يلبس وش "البني آدمين" وقال: "نادية.. اهدي.. أنا هفهمك".
ماردتش.. مشيت للمطبخ، كان فيه طاسة زيت بتغلي عشان اللحمة.
شلت الطاسة.. والحرارة كانت بتحرق إيدي، بس قلبي كان محروق أكتر.
وخرجت له..
النهاردة.. شريف في العناية المركزة، الدكاترة بيقولوا "عينيه راحت".
وأنا في البوكس، مش ندمانة.. أنا بس بفكر في السترات التقيلة اللي اشتريتها لها.. وفي الكدب اللي شربته بمزاجي.
يا جماعة.. أنا مش مجرمة.