بعد وفاة حماتي بتلات أيام، فجأة تليفونها القديم رن. الشاشة كان مكتوب عليها "رقم غير معروف"

لمحة نيوز

المكالمة الصادمة

​بعد وفاة حماتي "الحاجة كريمة" بتلات أيام، فجأة تليفونها القديم رن. الشاشة كان مكتوب عليها "رقم غير معروف". بنتي الصغيرة "سلمى" همست بصوت واطي: "تيتة.. تيتة عاوزة تتكلم دلوقتي". ومن غير تفكير، رديت على الخط.. وأول ما سمعت الصوت اللي بيتكلم، جسمي اتلج.. واتصلت بالشرطة فوراً.

​كانت الساعة تمانية بالليل، والبيت لسه فيه ريحة الأكل اللي الجيران كانوا بيجيبوه من وقت الجنازة. جوزي "رامي" كان في الجراج بيفرز صناديق حاجات والدته، لأنه كان بيقول إنه لو بطل حركة هينهار من الحزن. وأنا كنت قاعدة على السفرة بساعد بنتي سلمى، اللي عندها تسع سنين، عشان تخلص واجب الدراسات اللي الورقة بتاعته اتهرت من كتر المسح بسبب سرحانها.

​الحزن غير صوت البيت.. حتى الحاجات العادية بقى صوتها عالي ومقبض. صوت تلاجة، خبطة شوكة.. حتى الناس كانت بتوطي صوتها وهي بتتكلم من غير ما يحسوا. حماتي "كريمة" عاشت معانا آخر تمان شهور وهي بتحارب السرطان، وفي الآخر المرض خد منها كتير لدرجة إن السكوت اللي سابته وراها كان أكبر من حجمها كإنسانة.

​موبايلها كان محطوط على "البوفيه" من يوم ما توفت، ما حدش لمسه. موبايل قديم "تاتش" محطوط في جراب عليه ورد، ومحطوط في الشاحن في نفس مكانه اللي كانت بتسيبه فيه دايماً. رامي ما كانش قادر حتى يطفيه، كان بيقول إن فيه رسايل صوتية لسه مش قادر يسمعها.

​فجأة الموبايل نور وبدأ يتهز على الخشب.. التلاتة اتنفضنا في مكانا. بصيت عليه بشكل تلقائي.. الشاشة مكتوب عليها: "رقم خاص" (No Caller ID).

​سلمى اتسمرت في مكانها وقالت بهمس يخوف: "تيتة.. هي اللي عاوزة تتكلم

دلوقتي". الكلمة كان ممكن تبان طفولية وعادية من طفلة حزينة مش مستوعبة الموت، بس الطريقة اللي قالتها بيها خلت جسمي يقشعر.

​التليفون فضل يرن.. رامي نادى من الجراج: "يا ليلى، شوفي مين اللي بيرن ده". من غير تفكير، قمت ورفعت السماعة وقلت: "ألو؟".

​في الأول كان فيه شوشرة.. وبعدين سمعت صوت راجل. صوت واطي، خشن، ونفسه قريب جداً من المايك. قال بوضوح: "قولي لرامي إنهم دفنوا الست الغلط".

​كل عضلة في جسمي اتجمدت. "أيه؟" قلتها بذهول. الخط وشّ تاني، وبعدين نفس الصوت قال: "ولو فتح علبة المجوهرات الزرقا بتاعة كريمة قبل ما الشرطة توصل، هيضيع الدليل الوحيد اللي هي سابته". والخط قطع.

​الجزء الثاني: الصندوق الأزرق

​فضلت واقفة مكاني والتليفون على ودني حتى بعد ما الخط قطع. سلمى كانت بتبص لي وعينيها مبرقة، ورامي دخل من الجراج وايديه عليها تراب الصناديق وقال: "مين اللي كان بيتكلم؟". بصيت له.. وبعدين اتصلت بالشرطة.

​رامي كان فاكرني ببالغ. في الأول كان مصدوم، بس بعد كام دقيقة بدأ يقول: "أكيد سمعتي غلط، أو دي حد بيشتغلنا.. الناس بقت مريضة وممكن يعملوا أي حاجة عشان يضايقونا". كنت ماسكة موبايل "كريمة" بقوة وقلت له: "لا.. ده عارف موضوع علبة المجوهرات".

​رامي سكت.. العلبة دي كانت "كريمة" مخبياها في درج تسريحتها وبتقول للي حولها محدش يلمسها، مش عشان فيها دهب غالي، لأ، كانت بتقول دايماً "دي خصوصياتي ومحدش له دعوة بيها".

​لما الشرطة وصلت، "الظابطة إيمان" خدت الموضوع بجدية لما عرفت التفاصيل. رامي كان لسه مش مستوعب وبيقول: "أنتو بجد مصدقين إن فيه حد بيقول إن أمي مدفنتش؟". الظابطة

ردت عليه بهدوء: "أنا شايفة إن فيه حد كان قاصد نكون موجودين قبل ما الصندوق ده يتفتح".

​في الوقت ده، سلمى شدت كمي وهمست لي: "تيتة قالت لي ما أخليش بابا ينظف أوضتها". سألتها بلهفة: "قالت لك إيه يا سلمى؟". قالت لي: "قبل ما تروح المستشفى بيوم، قالت لي لو الناس بدأت تتصرف بغرابة بعد موتي، قولي لماما ما تخليش حد يرمي حاجتي".

​الشرطة دخلت أوضة "كريمة" بحذر. الظابط "أحمد" لبس جوانتي وفتح درج التسريحة وطلع علبة القطيفة الزرقا. كانت عادية جداً، ومن جوه فيها سلاسل متشابكة وحلقان فالصو.. بس الظابط رفع القاع المبطن بتاع العلبة، ولقينا "قاع مزدوج".

​تحته كان فيه ورق متطبق، و"فلاشة"، وظرف مكتوب عليه بخط ايد مهزوز: "لو مت فجأة، أو لو رامي قال إني كنت مخرفة، كلموا الشرطة فوراً.. وبعدين خلوا ليلى تقرأ الورق ده".

​فتحت الظرف وايدي بتترعش.. الخطاب كان 6 صفحات. ومن أول صفحة، فهمت ليه المتصل قال لنا ما نلمسش حاجة. "كريمة" كانت كاتبة إنها بقالها سنة حاسة إن فيه حد بيسرقها، وبيديها أدوية بتخليها تغيب عن الوعي، وبيضغط عليها عشان تغير وصيتها. وكتبت اسم الشخص ده في أول صفحة.. كان "محمود"، أخو رامي الصغير.

​الجزء الثالث: الحقيقة المرة

​نزل الخبر علينا زي الصاعقة. "محمود" اللي كان في الجنازة بيعيط أكتر من الكل، واللي كان لسه بيعرض على رامي الصبح إنه يساعده في "تكرار" أوضة والدته.

​الجواب كان فيه تفاصيل أبشع.. "كريمة" اكتشفت سحوبات من حساب توفير قديم، ولما واجهت محمود، قال لها ده خطأ بنكي، وبدأ يروج إشاعة إنها بقت بتنسى ومخرفة عشان يغطي على نفسه. وكتبت جملة خلت دمنا يهرب من عروقنا:

"لو قالوا لكم إني مت في المستشفى بجرعة مسكنات، ما تصدقوش.. أنا سمعت محمود بيقول: بمجرد ما تغور، رامي مش هيسأل في حاجة".

​الظابط خد الفلاشة وشغلها.. ما كانتش صريخ أو خناق، كانت تسجيلات عادية لهدوء البيت، بس صوت "محمود" كان طالع فيها وهو بيزعق لها ببرود: "إنتي مش في وعيك، ورامي موافق إنك مش قادرة تديري أمورك". وصوت "كريمة" الضعيف وهي بترد: "رامي ما يعرفش إنتي عملت إيه يا محمود".

​أما جملة "دفنوا الست الغلط"، فالتحقيقات كشفت إنها ما كانتش حاجة مرعبة أو "عفاريت".. اللي حصل إن وقت نقل الجثامين من المستشفى، حصل تبديل غلط في "التاجات" (بطاقات التعريف) بين جثة حماتي وست تانية كانت في نفس القسم، والتبديل ده استمر 12 ساعة قبل ما المشرحة تصلح الغلط من غير ما تبلغ حد عشان يداروا على خيبتهم.

​المتصل الغامض طلع موظف في شركة نقل الموتى اسمه "كريم". الراجل ده ضميره أنبه لأن حماتي وهي في النفس الأخير وهي بتتنقل، كانت بتترجاه ما يسيبهاش لوحدها مع "أوراق محمود". لما شاف التلاعب اللي حصل في المستشفى وتدخل محمود الزيادة عن اللزوم، خاف وقرر يبلغنا بالطريقة دي.

​التحقيقات أثبتت إن محمود كان بيديها جرعات زيادة من المهددات عشان يسرع بموتها ويستولى على ممتلكاتها. اتقبض على محمود بعد 6 أسابيع بتهمة التزوير والاعتداء بالدواء.

​بعد شهور، سلمى سألتني: "هي تيتة بجد كلمتنا؟". قلت لها لأ يا حبيبتي.. "كريمة" ما كلمتناش من العالم الآخر، بس هي كانت ست ذكية، سابت دليل، ووثقت في طفلة، وجهزت كل حاجة عشان لما ييجي الوقت المناسب.. الحقيقة تظهر والعدل يتحقق.

​المكالمة ما كانتش معجزة.. المعجزة

كانت في "أم" قررت تحمي بيتها حتى وهي مش موجودة.

 

تم نسخ الرابط