كنت واقفة لوحدي في طرف القاعة، وفجأة العروسة شاورت عليا باستهزاء وقالت بصوت عالي: "هو مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟"
كنت واقفة لوحدي في طرف القاعة، وفجأة العروسة شاورت عليا باستهزاء وقالت بصوت عالي هو مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟.. في لحظة المزيكا قطعت، وكل العيون اتوجهت ناحيتي. إيديا كانت بتترعش، بس ممشيتش.. بصيت في عينيها بكل هدوء ورديت عندك حق، أنا فعلاً مكاني مش هنا.. على الأقل مش معزومة . اللي حصل
كنت واقفة لوحدي في طرف القاعة، بحاول أبقى غير مرئية وسط كل اللمعان اللي حواليا، وفجأة العروسة شاورت عليا باستهزاء وقالت بصوت عالي
هو مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟
في لحظة، المزيكا قطعت، والضحك سكت، وكل العيون اتوجهت ناحيتي.
إيديا كانت بتترعش، بس ممشيتش.
بصيت في عينيها بكل هدوء وقلت
عندك حق أنا فعلاً مكاني مش هنا. على الأقل مش كمعزومة.
واللي حصل بعد الكلمتين دول قلب الفرح كله.
كنت في آخر قاعة الاحتفالات في فندق نايل جراند. القاعة كانت فخمة لدرجة تخطف النفس؛ نجف كريستال نازل من السقف، أرضيات رخام بتعكس الإضاءة، ورد أبيض وذهبي في كل ركن، ومعازيم لابسين كأنهم خارجين من مجلة أزياء.
أما أنا، فكنت لابسة فستان كحلي بسيط، جبته من محل مستعمل بخمسمية جنيه. مكنش غالي، بس كان نضيف وشيك ومريحني.
اسمي ليلى.
من تلات أسابيع، وصلتني دعوة فرح غريبة. فتحت الظرف، ولقيت اسم ميرنا مكتوب بخط دهبي كبير.
ميرنا
بعد التخرج، كل واحدة راحت في طريق.
هي اختارت طريق المظاهر والطبقات، وأنا دخلت مجال الإسكان والمشاريع الاجتماعية، وبعد سنين شغل وتعب، بقيت مسؤولة عن مؤسسة كبيرة بتطور مباني وفنادق قديمة وتحولها لمشاريع ناجحة.
لما جاتلي الدعوة، فكرت أعتذر. بس في الآخر قلت أروح أبارك، يمكن الأيام غيرتها.
دخلت الفرح بهدوء، ووقفت بعيد أراقب.
ميرنا كانت جميلة جدًا. فستانها متفصل مخصوص، والمجوهرات بتلمع في رقبتها وشعرها، والناس حواليها بيجاملوها من كل اتجاه. في الأول، فرحت لها بصدق.
لكن الفرحة دي مكملتش.
لاحظت طريقتها مع العاملين في القاعة. كانت بتكلم الجرسونات بتعالي، تزعق لواحد عشان اتأخر في تقديم العصير، وتبص للتانية بنظرة كأنها مش شايفاها بني آدمة.
رغم كده، قلت أقرب أبارك.
أول ما شافتني، ضحكتها اختفت.
بصت لفستاني من فوق لتحت وقالت
ليلى؟ إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت بهدوء وقلت
جتلي دعوتك، فقلت آجي أبارك لك. ألف مبروك طالعة زي القمر.
قبل ما ترد، اتنين من صاحباتها قربوا. واحدة منهم سألتني بنبرة متعالية
وإنتي بتشتغلي إيه دلوقتي؟
قلت
في مجال الإسكان والمشاريع الاجتماعية.
بصوا لبعض وضحكوا ضحكة قصيرة مكتومة. ميرنا قربت مني وهمست بحدة
اسمعي يا ليلى، الأحسن تمشي. إنتي مش من المستوى ده، ومكانك مش هنا.
الكلمة وجعتني، بس مسكت نفسي.
كنت لسه هرد بهدوء، لكنها فجأة رفعت صوتها قدام الناس وقالت
بجد يعني، مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟
ساعتها القاعة كلها سكتت.
حسيت بحرارة في وشي، وسمعت همسات حواليا. ناس بتبصلي بشفقة، وناس باستغراب، وناس مستنية تشوف هعمل إيه.
ميرنا كانت واقفة بثقة مزيفة، كأنها كسبت.
لكن في اللحظة دي فهمت إنها مش قوية. هي خايفة. خايفة من أي حد يفكرها بماضيها، وبالأيام اللي كانت بتحاول تهرب منها.
أخدت نفس عميق وقلت
عندك حق أنا فعلاً مكاني مش هنا.
ابتسمت ميرنا براحة، لكني كملت
أنا مكاني مش هنا كمعزومة أنا مكاني هنا لأني صاحبة الفندق ده.
القاعة كلها اتقلبت همهمة.
ميرنا اتجمدت.
إنتي بتقولي إيه؟
قلت بهدوء
فندق نايل جراند تحت إدارة المؤسسة بتاعتي من سنتين. وإدارته المباشرة مسؤوليتي.
العريس، أحمد، قرب وهو مصدوم
حضرتك تقصدي إيه؟
رديت باحترام
أقصد إن القاعة اللي فرحكم فيها النهارده جزء من مجموعة فنادق إحنا بنديرها. وأحب أقولك إن اختيارك للمكان كان موفق بس اللي حصل دلوقتي غير مقبول.
مديت إيدي بإشارة
مساء الخير يا أستاذة ليلى، حضرتك محتاجة حاجة؟
ساعتها ملامح ميرنا وقعت تمامًا.
واحدة من صاحباتها حاولت تضحك وقالت
لا طبعًا، ده هزار بنات.
بصيت لها وقلت
الإهانة عمرها ما كانت هزار.
وبعدين بصيت لميرنا
فاكرة لما كنتي بتقولي في الجامعة إن الفلوس هي اللي بتعمل قيمة البني آدم؟ كنتي غلطانة. القيمة الحقيقية بتبان لما الواحد يوصل، ويختار يعامل الناس إزاي.
ميرنا سكتت. ولأول مرة من بداية الليلة، مكنش عندها رد.
قلت للمدير
الفرح يكمل عادي. محدش هيوقف حاجة. بس أي إساءة لأي حد هنا، سواء معزوم أو عامل، مش هتتكرر.
قال المدير
تحت أمرك يا فندم.
قربت مني ميرنا وهي بتحاول تلم كرامتها، وقالت بصوت واطي
أنا مكنتش أقصد.
بصيت لها وقلت
لا، كنتي قاصدة. بس لسه قدامك فرصة تتعلمي.
سيبتها ومشيت ناحية الباب.
وأنا خارجة، سمعت تصفيق خفيف من ناحية الترابيزات. بعد ثواني، التصفيق زاد. مكنش عشان الفضيحة، ولا عشان المنظرة كان عشان كل واحد في القاعة فهم إن الكرامة مش بس في اللبس، ولا في الفلوس، ولا في اسم العيلة.
طلعت برا القاعة، أخدت نفس طويل.
فستاني الكحلي كان لسه بسيط، ولسه بخمسمية جنيه، ولسه مش من ماركة عالمية.
بس أنا كنت ماشية مرفوعة الرأس.
وساعتها اتأكدت إن مش كل اللي
أحيانًا أبسط شخص في المكان يكون هو أكتر واحد يملك كل حاجة.