"في ركن ضلمة جوه أوضة "ياسين"، ابني كان واقف وساند وشه على الحيطة.. السكون اللي كان فيه كان مرعب أكتر من أي صريخ. افتكرته بيلعب، بس الحقيقة كانت استغاثة صامتة، ولما كشفت السر، أتمنيت لو كنت فضلت أعمى
"في ركن ضلمة جوه أوضة "ياسين"، ابني كان واقف وساند وشه على الحيطة.. السكون اللي كان فيه كان مرعب أكتر من أي صريخ. افتكرته بيلعب، بس الحقيقة كانت استغاثة صامتة، ولما كشفت السر، أتمنيت لو كنت فضلت أعمى……………
في تمام الساعة 2:14 صباحاً: صرخة غريبة كشفت السر
في البداية، أقنعت نفسي أن ما يفعله ابني مجرد "حركات أطفال". أي حد ربى أطفال عارف إن ليهم منطق غريب؛ اللي يرص لعبوه بالمللي، واللي يصمم يلبس فردة جزمة مختلفة، فموضوع إن ابني يروح يقف في ركن ويسند وشه على الحيطة مكنش مقلق أوي بالنسبة لي.. أو ده اللي كنت بحاول أضحك بيه على نفسي.
لكن اليوم اللي قدر فيه "ياسين" ابني يحكي لي هو بيعمل كده ليه، كان اليوم اللي كل حاجة جوايا اتغيرت فيه. اكتشفت إن اللي كنت فاكره حركة عبيطة، كان في الحقيقة صرخة استغاثة صامتة………………
الحكاية بدأت إزاي؟
ياسين كان لسه مكمل سنة لما الموضوع بدأ. كنت قاعدة في الصالة وشفته
أنا كنت بربي ياسين لوحدي بعد ما والدته توفت وهي بتولده. حياتي كانت مزيج من الحزن والمسؤولية، واتعودت أحل كل مشاكل الأطفال بالمنطق: مغص، سنان بتطلع، قلة نوم.. لكن الموضوع ده كان مختلف، مكنش "مرحلة وهتعدي"، كان كأنه "كود" مش عارفة أفكه.
لما الموضوع طول روحت لدكتورة الأطفال، قالت لي بابتسامة هادية: "عادي يا أستاذ، الأطفال في السن ده بيحبوا يكتشفوا ملمس الحاجات ويكرروا حركات معينة." حاولت أصدقها، بس سألت نفسي: "اشمعنى الركن ده بالذات؟"
فتشت الركن حتة حتة
، خفت يكون فيه رطوبة، صوت مواسير، خيالات من الشارع.. غيرت مكان العفش، دهنت الحيطة بلون جديد، مفيش فايدة.. ياسين لسه بيروح لنفس النقطة.
الساعة 2:14 الفجر، صحيت على صرخة من "
البيبي مونيتور" خلت قلبي يقف. مكنتش صرخة عياط عادي، كانت صرخة رعب حقيقي. جريت على أوضته ولقيته واقف في نفس الركن، إيديه الصغيرة مفرودة على الحيطة وجسمه كله بيترعش.
شيلته وحاولت أهديه، بس هو كان بيحاول يملص من حضني عشان يبص للحيطة تاني! هنا عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد "عادة".
بعدد الليلة دى جبت دكتورة نفسية متخصصة اسمها دكتورة منى. قعدت مع ياسين تلعب معاه وبتراقبه، وفجأة ياسين ساب اللعب وراح للركن وسند وشه.
الدكتورة طلبت مني أخرج بره الأوضة وأراقبهم من الشاشة. بعد دقايق دخلت لي وشها مخطفوف وقالت لي:
"ياسين نطق جملة واضحة.. قال: مش عايزها ترجع تاني."
سألت ياسين براحة: "يا حبيبي، هي مين دي اللي مش عايزها ترجع؟"
بص لي بنظرة أكبر من سنه بكتير وقال: "الست.. اللي عند الحيطة."
رجعت لتسجيلات الكاميرا القديمة اللي كانت متخزنة من شهور. شفت فيديو لواحدة من "المربيات" اللي كانت بتيجي
الست دي مكنتش بتضربه ولا بتزعق، بس كانت بتعمل حاجة غريبة جداً.. كانت بتقف في الركن ده بالساعات، وشها للحيطة ومدية ضهرها لياسين وهو بيلعب، كأنها بتعاقبه بوجودها الصامت والمرعب، أو بتهمس بحاجات وهو وراها.
ياسين من كتر خوفه منها، بدأ يقلدها عشان "يختفي" أو يحمي نفسه، وارتبط الركن ده في ذاكرته بمشاعر خوف وتوتر مكنش عارف يعبر عنها بالكلام.
الدكتورة شرحت لي إن صدمات الأطفال مش لازم تكون ضرب، ممكن تكون مواقف نفسية تقيلة عليهم.
- غيرت ديكور الأوضة تماماً (خليت الحيطان لونها أصفر مبهج).
- حطيت في الركن ده "صندوق لعب" عليه ميكي ماوس وعربيات.
- دكتورة منى بدأت معاه جلسات "علاج باللعب" عشان ينسى الذكرى الوحشة دي.
دلوقتي ياسين رجع يضحك وبيلعب في نص الأوضة عادي، ومبقاش يروح للركن ده أبداً.
الدرس اللي اتعلمته: لما طفلك يتصرف بغرابة وهو ساكت، هو في الحقيقة بيتكلم باللغة الوحيدة