فكرونى فى غيبوبة بس مكنوش يعرفوا انى صاحيه و سامعه كل حاجه
فكرونى فى غيبوبة بس مكنوش يعرفوا انى صاحيه و سامعه كل حاجه …….
لما فتحت عيني، محستش إني في أوضة مستشفى.. كان عندي إحساس غريب إني طايرة فوق وجسمي ده حد تاني هو اللي نايم، جسم تقيل، مهدود، ومش قادر حتى يرفع صباغ. صوت المونيتور "تيت.. تيت" كان هو الحاجة الوحيدة اللي كاسرة السكوت، مع وشوشة جاية من الطرقة بره.. وشوشة دكاترة بيحاولوا يداروا الحقيقة بس صوتهم كان واصلني.
سمعت واحد منهم بيقول: "الكبد بينهار أسرع مما كنا متوقعين.. بالشكل ده، قدامها تلات أيام بالكتير."
وبعدين سمعت الصوت التاني.. الصوت اللي حافظاه صم.. صوت جوزي "شريف".
متحركتش.. ولا حتى رمشت. فضلت عاملة نفسي غايبة عن الدنيا، عشان الطريقة اللي دخل بيها الأوضة مكنتش طريقة واحد مكسور على مراته.. كانت خطواته هادية، موزونة، كأنه داخل شقة لسه شاريها وفرحان بيها.
شميت ريحة الورد قبل ما أشوفه.. "ورد زنبق أبيض".. أكتر نوع ورد في حياتي قولتله إني بكرهه وبحس إنه بتاع مدافن.
قعد جنبي ومسك إيدي، ومشى صوابعه على معصم إيدي برقة.. أي حد يشوفه من بعيد يقول "يا عيني على الحنية"، بس أنا كنت حاسة ببرود إيده، مفيش فيها رعشة خوف واحدة.. مفيش فيها ريحة الراجل اللي كنت فاكرة إني اتجوزته.
قرب
"أخيراً.. فيلا التجمع.. وحسابات البنك.. وأسهم الشركة.. كل ده هيبقى بتاعي لوحدي قريب قوي."
الكلام منزلتش عليا صدمة، نزلت زي مية ساقعة في صدري، غسلت الوجع وخلت مكانه قوة وحتة حديد. لما قام ومشي ناحية الباب، صوته اتقلب 180 درجة في ثانية، وبقى صوته يترعش بتمثيل يقرف وهو بيكلم الممرضة بره:
"أرجوكي يا دكتورة، اعملوا أي حاجة.. دي ماليش غيرها في الدنيا!"
تمثيلية كانت "ماستر سين" بجد.. وهي دي اللحظة اللي فوقتني.
مخفتش.. متصدمتش.. أنا "فهمت".
بعد شوية، دخلت ممرضة وشها مريح وهادية.. كان مكتوب على الكارنيه بتاعها "نيرمين". قربت مني وقالت بصوت واطي: "إنتي سامعاني يا مدام؟"
فتحت عيني وبصيت لها.. بصيت لها بتركيز أوي، لأني في اللحظة دي عرفت إني مش هقدر أعدي اللعبة دي لوحدي.
مديت إيدي ومسكت إيدها.. مسكتها بجد مش بمجرد لمسة.. مسكتها عشان أوقفها متتحركش. وقولت لها بصوت واطي بس ثابت رغم كل التعب:
"لو ساعدتيني.. حياتك كلها هتتغير."
نيرمين اتخضت.. بس مش خوف، كانت مستغربة. كملت كلامي: "جوزي فاكر إني نايمة على وداني، فاكر إنه خلاص كسب الماتش.. بس هو لسه مخسرنيش، وإنتي اللي هتساعديني أوريه الحقيقة."
اللي حصل بعد كده مكنش فيه
نيرمين بدأت تغير حاجات بسيطة.. مواعيد الدوا، الجرعات اللي كان بيتلعب فيها، والتقارير اللي بتطلع للدكاترة.
وفي ظرف يوم واحد، الأرقام بدأت تتغير. الدكاترة اللي كانوا بيقولوا "خلاص ماتت"، بقوا يهرشوا في شعرهم وهما بيبصوا على التحاليل ومستغربين: "إزاي الحالة بتتحسن عكس كل التوقعات؟"
لما "شريف" جه تاني يوم، كان لابس وش الحزن كالعادة. بس أنا شوفت "التحفيلة" اللي في عينيه أول ما عرف إني استقريت. شوفت عروق رقبته وهي بتشد، وشوفت عينيه وهي بتبص على الأجهزة بغل كأنها عدوته.
قرب مني وقال: "يا حبيبتي.. إنتي وشك أصفر قوي."
فتحت عيني بالراحة وقولتله: "تعبانة يا شريف.. تعبانة أوي."
راح واطي على ودني تاني وقال: "أنا كلمت المحامي.. عشان بس نأمن الأوراق، يعني تحسباً لأي ظروف."
بصيت في عينيه مباشرة وقولتله: "إنت عمرك ما كنت بتسيب حاجة للظروف يا شريف."
لأول مرة أشوف فلاش قلق في عينيه.. خاف مني للحظة.
بعد الظهر، الدكاترة طلبوه. مكنش فيه اتهام مباشر، بس الكلام كان "سم". رئيس الأطباء قاله: "إحنا اكتشفنا لخبطة في جرعات الأدوية، والغريبة إن من ساعة ما اتظبطت والحالة بتنطق تاني."
السكوت اللي حصل وقتها كان أتقل من جبل. لما
بصيت له بمنتهى البرود: "قولت الحقيقة يا شريف."
ضحك بسخرية وقال: "محدش هيصدقك، إنتي كنتي غايبة عن الوعي ومبتعرفيش إيه اللي بيدخل في جسمك."
رديت عليه بابتسامة صفراء: "لأ.. مكنتش غايبة كفاية.. كنت سامعة كل كلمة.. وكل همسة."
هنا بقى الستارة وقعت. الطبيب دخل مع نيرمين وبلغوه إن زيارته ممنوعة وإن فيه تحقيق هيفتح. شريف وشه بقى ألوان، غضب على خوف على جرح كبرياء.
وهو خارج بص لي بغل وقال: "الموضوع ده مش هيعدي."
رديت عليه وأنا برجع راسي لورا على المخدة: "هو أصلاً مكنش بتاعك عشان يعدي.. والفيلا والأسهم والحسابات.. هيتفرجوا عليك وإنت ورا القضبان."
الأيام اللي جت بعد كده، جسمي بدأ يرجع له الروح، وروحي بدأت ترجع لها السيطرة. التحقيقات كشفت بلاوي، واتضح إنه كان بيخطط لكل ده من زمان.
نيرمين دخلت عليا في يوم ومعاها ملف وقالت لي: "خلاص يا مدام، هو دلوقتي قيد التحقيق وكل أملاكه اتجمدت."
بصيت من شباك المستشفى وشوفت النيل والشوارع، وحسيت براحة مش قادرة أوصفها.
قولت لنيرمين: "عارفة.. أنا كنت خايفة زمان."
نيرمين بصت لي وسكتت.
كملت وقولت: "بس الفرق.. إني اتعلمت الدرس.. والحساب
الأوضة مكنتش ساكتة المرة دي.. المرة دي كان فيها صوت "نفس" طالع براحة.. بداية جديدة بجد.