"أصعب إحساس في الدنيا إنك تكتشفي إنك عايشة في بيت مسكون.. بس مش بالأشباح، لا.. ده مسكون بذكرى ست تانية، وجوزك لسه حابس نفسه وحابس بناته معاها في الضلمة
"أصعب إحساس في الدنيا إنك تكتشفي إنك عايشة في بيت مسكون.. بس مش بالأشباح، لا.. ده مسكون بذكرى ست تانية، وجوزك لسه حابس نفسه وحابس بناته معاها في الضلمة…………
أسرار "البدروم": قصة حب، فُقدان، وبداية جديدة
لما ياسين حكالي عن بناته في تاني مقابلة لينا، كنت خلاص قايمة وماشية.
قال بصوت واطي: "ليلى عندها 6 سنين، ونور 4 سنين.. مامتهم اتوفت من تلات سنين".
قال الجملة دي بحذر، كأنه سمعها وكررها كتير لدرجة الزهق. لقيت نفسي من غير تفكير بمد إيدي وبلمس إيده وبقوله: "شكراً إنك قولتلي".
ابتسم ابتسامة باهتة وقالي: "معظم الناس لما بيعرفوا بيهربوا وبيقولوا حمل تقيل".
رديت عليه بجدية: "بس أنا لسه هنا".
البنات خلوا الموضوع سهل جداً. ليلى كانت شقية وبتحب تسأل في كل حاجة، من النوع اللي يزنق الكبار بأسئلة ملهاش إجابة. أما نور فكانت خجولة في الأول وب تستخبى ورا رجل باباها، بس بعد كام أسبوع، بقت بتنط في حضني ومعاها قصة عشان أقرأها لها.
بعد سنة، ياسين طلب إيدي للجواز. الفرح كان صغير وعائلي. ليلى كانت فرحانة بفستانها ومنفوشة بيه، ونور نامت قبل ما التورتة تتقطع. ياسين كان فرحان، بس كانت في عينيه نظرة قلق، كأنه خايف الفرحة دي متدومش.
نقلت عِفشي لبيته. البيت كان دافي ومنور، لعب البنات في كل حتة، ورسوماتهم على الثلاجة.. بيت باين عليه إنه عاش وجع
كبير بس بيحاول يكمل.بس كان فيه حاجة واحدة غريبة: باب "البدروم".
لاحظت من أول أسبوع إن الباب ده دايماً مقفول.. وبالمفتاح.
سألت ياسين مرة وإحنا بنلم السفرة: "هو ليه الباب ده مقفول علطول؟"
رد بسرعة: "ده كركبة.. عدة قديمة وصناديق وحاجات ملهاش لازمة، مش عايز البنات ينزلوا يتجرحوا هناك".
كلامه كان منطقي، فسكت.
بس بدأت ألاحظ حركات غريبة. ليلى ساعات تقف في الطرقة وتفضل باصة للباب ده كتير. ونور ساعات تقرب منه وتجري أول ما تشوفني كأنها عملت مصيبة. مرة لقيت ليلى قاعدة قدام الباب وبتتأمل الأكرة. لما سألتها بتعملي إيه، جريت وقالت "ولا حاجة".
لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة.
البنات كان عندهم دور برد خفيف ففضلت معاهم في البيت. فجأة البرد قلب طاقة ونط وشقاوة واستغماية في البيت كله.
بينما كنت بحضر لهم الشوربة، ليلى دخلت المطبخ وشدتني من لبسي.
وشها كان جاد جداً وقالتلي: "تحبي تشوفي ماما؟"
جسمي قشعر.. "قصدم إيه يا حبيبتي؟"
قالت ببساطة: "تعالي أشوفك هي ساكنة فين".
قلبي بدأ يدق بسرعة.. ونور جت وراها وهي سحلة دبدوبها وراها وقالت بصوت واطي: "ماما تحت في البدروم".
كل الأفكار السودة جت في بالي. الباب المقفول، ياسين اللي مش بيفتحه قدامي، نظرات البنات. هل فيه سر مخبيه؟ هل مامتهم لسه موجودة بشكل ما؟
وقفنا قدام الباب. ليلى بصت لي كأنها هتقولي
سر خطير: "انتي بس افتحيه".سألتها برعشة: "هو بابا بينزلكم هناك؟"
هزت راسها: "أيوة.. لما بيوحشنا بننزل نشوفها".
فتحت الباب بـ "بنسة" شعر من شعري بعد محاولات، وإيدي بتترعش.
فتحت الباب.. والريحة كانت صعبة.. ريحة مكان مقفول من سنين.
نزلنا.. والخوف اللي جوايا اتحول لوجع قلب.
البدروم مكنش فيه جريمة.. كان فيه "حياة محبوسة".
أرفف مليانة ألبومات صور. صور مامتهم متعلقة في كل حتة. رسومات البنات، كرتونة مكتوب عليها اسمها، بلوزة ليها محطوطة على كرسي، وجزمة مطر مركونة على جنب. وترابيزة صغيرة عليها طقم شاي أطفال كأن حد لسه قايم من عليه حالا.
ليلى قالت بهدوء: "هنا ماما عايشة".
بصيت لها بذهول: "تقصدي إيه يا ليلى؟"
شاورت على المكان: "بابا بيجيبنا هنا عشان نكون معاها".
ونور قالت وهي حاضنة دبدوبها: "بنشوف ماما في التلفزيون ساعات".
بصيت لقيت شرايط فيديو قديمة وجهاز شغلته.. فيديوهات ليهم في العيد، في المصيف، لحظات عادية جداً بس متجمدة في المكان ده.
فجأة سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.. ياسين رجع بدري.
"يا بنات؟" نادى بصوته.
ليلى ردت بفرحة: "يا بابا! أنا فرجت طنط على ماما!"
ياسين نزل بسرعة، ووشه اتخطف لما شاف الباب مفتوح. وقف مكانه مش نطق.
سأل بصوت مخنوق: "انتي عملتي إيه؟"
ليلى خافت، فوقفت قدامها وقولتله بقوة: "متكلمنيش كدة.. بنتك بتقولي
إن مامتها عايشة هنا!"ياسين انهار.. قعد على السلم وخبى وشه بإيده.
بعت البنات فوق، ووقفت قدامه: "اتكلم يا ياسين".
قال بصوت مكسور: "مكونتش عارف أعمل إيه.. بعد ما ماتت الكل قالي خليك راجل وجامد. اشتغلت وربيت البنات وكملت.. بس من جوايا مكنتش مصدق إنها راحت. مكنتش قادر أرمي حاجتها، ولا قادر أتمسح وجودها.. فحبست كل حاجة هنا. البنات كانوا بيطلبوا يشوفوا صورها، فكنا بننزل.. والموضوع كبر غصب عني".
قولتله بصوت واطي: "أنت خليتهم يصدقوا إنها ساكنة هنا فعلاً.. ده مش صح يا ياسين. مش صح ليهم، ولا ليك، ولا لينا كزوجين".
هز راسه وهو بيعيط: "عارف.. بس كنت خايف أوجعهم أكتر لو قفلت المكان ده".
البدروم مكنش مخبي جريمة.. كان مخبي "حزن".
والحزن لما بنحبسه ورا أبواب مقفولة، بيتحول لسر بيخنق الكل.
تاني يوم الصبح، ياسين قعد مع ليلى ونور في الصالة.
فهمهم بالراحة: "ماما مش عايشة في البدروم.. ماما عايشة في قلوبنا، وفي الحكاوي اللي بنحكيها، وفي كل حاجة حلوة علمتها لنا".
ليلى سألت: "يعني لسه هنشوف فيديوهاتها؟"
ياسين باس راسها: "طبعاً.. بس فوق معانا، مش في الضلمة تحت".
بعد أسبوع، صلحنا البدروم، شلنا الكركبة، وخلينا الباب مفتوح علطول.
ياسين بدأ يروح لدكتور نفسي يساعده يتخطى الوجع ده بجد.
الحياة مأصحتش وردي فجأة.. بس على الأقل مفيش أسرار تانية تحت الأرض.
أنا لسه هنا.. مش عشان الموضوع سهل، بس عشان الحب الحقيقي مش إنك تمحي الماضي، الحب إنك تساعد اللي بتحبه يواجه الماضي ويمشي لقدام.