بينما كنت أبكي توأمي عند قبرهما، قال طفل بهدوء: "ماما.. أنا بشوف البنات دول في فصلي"

لمحة نيوز

​بينما كنت أبكي توأمي عند قبرهما، قال طفل بهدوء: "ماما.. أنا بشوف البنات دول في فصلي"

​لو أخبرني أحد قبل عامين أنني سأقف يوماً لأتحدث مع الغرباء في المدافن، لكنت ضحكت بمرارة وعدم تصديق. الآن، الضحك نادراً ما يزور قلبي.

​في ذلك الصباح، كنت أعد خطواتي وأنا أسير نحو القبر—أربعة وثلاثون، خمسة وثلاثون، ستة وثلاثون—أحاول تنظيم أنفاسي كما علمتني طبيبتي النفسية. فجأة، قطع صوت صغير خلفي صمت المكان:

"ماما.. البنات دول معايا في الفصل!"

​تجمدت في مكاني. كانت يداي لا تزالان تمسكان بالزهور التي اشتريتها—ياسمين أبيض لـ "ليلى" وورد بلدي لـ "مريم". لم أكن قد وصلت بعد إلى شاهد القبر. هبت رياح "أمشير" الباردة، تضرب معطفي وتنبش ذكريات حاولت دفنها طوال العام الماضي.

​التفتُّ ببطء. كان هناك طفل صغير يقف على بعد خطوات، وجنتاه محمرتان من البرد وعيناه واسعتان من الفضول، ويشير بإصبعه مباشرة إلى صور بناتي المحفورة على الرخام.

​نادته سيدة بلطف وهي تحاول إسكاته: "ياسين، تعالَ سلّم على بابا".

​الليلة التي غيّرَت كل شيء

​كانت "ليلى" و"مريم" في الخامسة من عمرهما حين رحلتا.

قبل دقائق من الكارثة، كان البيت يضج بالضحك.

"ليلى" كانت تتحدى "مريم" أن تتوازن فوق وسادة الكنبة.

"شوفي! أنا أشطر منك!" صرخت مريم بضحكة رنانة.

​حذرتهم من المطبخ: "براحة يا ولاد.. بابا هيقول إني سيباكم تتنططوا".

غمزت لي "ليلى" بشقاوة، وأخرجت لي "مريم" لسانها بمداعبة.

"دادة نادية (المربية) زمانها جاية يا حبايبي، حاولوا ما تتعبوهاش واحنا بره".

​كانت تلك آخر لحظة طبيعية في حياتي. بعدها، لا أتذكر إلا شظايا: جرس تليفون يصرخ، سرينة إسعاف في البعيد، وزوجي "شريف" يردد اسمي بينما يقتادنا أحدهم في ممر مستشفى بارد. عضضت لساني بقوة حتى تذوقت طعم الدم لأمنع نفسي من الصراخ.

​عند القبر

​جثوت بجانب القبر ووضعت الزهور بعناية.

"وحشتوني يا حبايبي"، همست وأنا ألمس الرخام البارد. "جبتلكم الورد اللي بتحبوه.. أنا عارفة إني مقصرة في الزيارة، بس بحاول والله".

​قطع صوت الطفل الصمت مرة أخرى: "ماما! والله البنات دول معايا في الفصل!".

التفتُّ للسيدة وقلت بقلب ينبض بعنف: "ممكن أسأل يقصد إيه؟".

​انحنت الأم لابنها وسألته: "يا حبيبي ليه بتقول كدة؟".

نظر إليّ

الطفل بثقة وقال: "عشان 'دهب' جابت صورتهم. هما محطوطين على لوحة في الفصل جنب الباب، وقالت إن دول إخواتها وهما دلوقتي في الجنة".

​وقع الاسم عليّ كالصاعقة. "دهب".

سألتها برعشة: "دهب دي زميلته؟".

أومأ الطفل: "أيوة، هي طيبة وبتقول إنها مفتقداهم أوي".

​أوضحت الأم باعتذار: "الفصل عمل مشروع عن 'الناس اللي في قلوبنا'، ودهب جابت صورة وقالت إنهم إخواتها.. يمكن مجرد شبه يا مدام".

لكنني كنت أعرف اسم "دهب" جيداً.. الجميع يعرفه.

​المواجهة والحقيقة المريرة

​عُدت للمنزل واتصلت بالمدرسة، ثم ذهبت لمقابلة المعلمة. هناك، على لوحة الذكريات، رأيت الصورة: ليلى ومريم بملابس البيت، ووجوههما ملطخة بآثار الآيس كريم، وتتوسطهما "دهب".

المعلمة قالت لي: "والدة دهب، نادية، هي اللي جابت الصورة وقالت إن دي كانت آخر مرة خرجوا فيها ياكلوا آيس كريم".

​هنا أدركت الفاجعة. اتصلت بـ "نادية" (المربية).

ذهبت إليها، فتحت لي الباب بيد ترتجف. واجهتها: "ليه الصورة دي معاكي؟ وليه في الليلة دي بالذات؟".

​انهارت نادية واعترفت: "يا مدام، أنا كذبت على البوليس.. أنا أخدت البنات

الأول عشان أعدي آخد بنتي 'دهب' نخرج سوا، هما اللي اتحايلوا عليا عشان الآيس كريم.. مكنش فيه حالة طوارئ في بيتي زي ما قولت".

​سألتها والسواد يغلف عيني: "شريف (زوجي) كان عارف؟".

أومأت برأسها وهي تبكي: "عرف بعد العزاء وحكيتله كل حاجة، بس زعق وقالي أوعي تقولي لـ 'هالة' (أنا).. قال إن الحقيقة هتدمرك ومش هترجع اللي فات".

​المواجهة الكبرى

​في ذلك المساء، ذهبت إلى حفل التكريم الخاص بعائلة زوجي. وسط الزحام والمعازيم، اقتربت من "شريف".

حاول إبعادي: "مش هنا يا هالة، نتكلم في البيت".

قلت بصوت عالٍ سمعه الجميع: "بقى لك سنتين سايبني أموت بالذنب وأفتكر إني أنا السبب في خروجهم وموتهم؟ وأنت عارف إن نادية المربية هي اللي خدتهم تفسح بنتها؟".

​شحب وجهه واهتزت صورته أمام الجميع، حتى والدته نظرت إليه باحتقار. لأول مرة منذ عامين، لم تكن نظرات الناس لي "شفقة"، بل كانت نظرات "حق" و"صدمة" فيه هو.

​البداية الجديدة

​بعد أسبوع، عُدت للقبر. وضعت زهوراً جديدة وقلت بقلب أخف:

"أنا لسه هنا يا بنات.. أنا حبيتكم، بس وثقت في الناس الغلط. الذنب ده مش بتاعي، وأنا هسيبه هنا

النهاردة وأمشي".

​لمست أسماءهم للمرة الأخيرة، ووقفت. لأول مرة منذ عامين، شعرت أنني أستطيع التنفس فعلاً. مشيت بعيداً.. وأخيراً، كنت حرة.

تم نسخ الرابط