أنا دفنت جوزي في يوم، ودفنت بنتي في اليوم اللي بعده
أنا دفنت جوزي في يوم، ودفنت بنتي في اليوم اللي بعده.. وفضلت سنين فاكرة إن اللي حصل ده مجرد نصيب وقدر وقسوة من الدنيا عليا.
بس بعد تلات سنين،عرفت إن اللي عشته مكنش مجرد حزن، دي كانت خديعة أكبر من أي خيال
الجنازة المقفولة
يومها دفنوا جوزي رامي في خشب مقفول نعش مغلق، وأنا وافقت لأني كنت في الشهر التامن وتعبانة ومش قادرة أصلب طولي. الكل قالولي إن الحادثة كانت بشعة، وإن الأحسن أشيله في ذاكرتي بصورته الحلوة بدل ما أشوفه كدة وأتعب أكتر. وقفت قدام القبر وأنا تايهة، مش قادرة أصدق إن أكتر إنسان حبيته راح، ومن غير حتى ما أودعه الوداع الأخير.
من كتر الصدمة، الصبح لقيت البيبي اللي في بطني حركته وقفت، وفي خلال 48 ساعة كنت خسرت جوزي وبنتي مع بعض. حسيت إن مستقبلي كله انهار قبل ما يبدأ.
البداية الجديدة
بعد تلات سنين، كنت عايشة لوحدي في شقة في مدينة تانية، بشتغل في عيادة أسنان، بقضي يومي بين المواعيد والتليفونات، وبالليل بيبقى هدوء لدرجة تخليني أحاول أنسى اللي
بس كل ده اتغير في يوم حد..
سمعت صوت خبط ورزع في السلم، وصوت راجل بيزعق للعمال يخلي بالهم وهم شايلين العفش. بصيت من الشباك لقيت أسرة صغيرة بتنقل في الشقة اللي جنبي. ست شعرها أسود ومعاها نوتة بتوجه العمال، وطفلة صغيرة ماسكة عروسة وبتمشي وراهم. للحظة قلبي وجعني، لأن ده كان الحلم اللي كان نفسي أحققه مع رامي.
طلعت الطرقه عشان اشوفهم لقيت منظر عمرى ما كنت اتخيله..
الراجل وهو شايل الكنبة، رفع عينه وبص ناحية الباب بتاعى.. جسمي كله تلج في مكاني.
ده رامي! نفس الوش ونفس الملامح!
حاولت أقنع نفسي إنه شبهه مش أكتر، بس لما طلعت الطرقة وشفت الوش بالوش، مكنش فيه مجال للشك. ده هو.. وحتى إيده اليمين كان ناقص فيها صباعين، نفس الصباعين اللي رامي فقدهم وهو عيل صغير في حادثة بمب وصواريخ. قلبي كان هيقف من كثرة الدق.
سألته بصوت مهزوز إنت تعرف حد اسمه رامي؟
أول ما سمع الاسم،
قلتله بذهول رامي.. هو إنت فعلاً؟
الحقيقة المرة
الدنيا لفت بيا، ومراته الجديدة كريمة طلعت وسألت في إيه. لما حكيت لها إني دفنت الراجل ده من تلات سنين وإني خسرت بنتي بسببه، ملامحها اتغيرت للصدمة والوجع. وبدأ المستور يبان قدامنا كلنا.
رامي ماماتش.. رامي هرب.
حكى وهو مكسور إنه كان غرقان في ديون مكنش عارف يسدها، وجاله حالة ذعر. الموضوع بدأ بمحاولة منه إنه يهرب من الديون، وبمساعدة عمتو فوزية اللي زورت الورق ورتبت موضوع الجنازة المقفولة بحجة إنها بتحميه وبتحمينا. هو اختار يمسح حياته القديمة كلها ويبدأ من جديد بدل ما يواجه مشاكله.
في الوقت اللي أنا كنت بتبهدل فيه عشان أسدد ديون معرفش عنها حاجة، وبعت البيت وكنت مش لاقية آكل، هو كان بيبني حياة جديدة مع ست تانية مفهمها إن أهله اتخلوا عنه!
المواجهة والنهاية
تاني يوم الصبح، بدأت أتحرك. الحزن
يعني الموت كان مجرد ورقة، مش حقيقة.
لما واجهت عمته، حاولت تبرر إنها كانت بتحميه من السجن، بس أنا كنت بلغت الشرطة خلاص. وفي ظرف أيام، المباحث قبضت على رامي وعمته واعترفوا بكل حاجة.
كريمة جاتلي الشقة وهي منهارة، وقالتلي إنها مكنتش تعرف أي حاجة وإنها هتنفصل عنه فوراً. بنتها الصغيرة اللي متسمية على اسمي كانت ماسكة في رجلها وبتبصلي ببراءة. محسيتش بغير تجاه الطفلة، هي كمان ضحية زايي وزي كريمة.
الحرية
رامي وعمته خدوا جزاءهم واتحكم عليهم.
لما قفلت الباب على القصة دي، محستش إني بنتقم.. حسيت إن الحقيقة أخيراً ظهرت للنور.
في الهدوء اللي عاشته شقتي بعد
كدة، أدركت حاجة مكنتش فاهماها طول السنين اللي فاتت
أنا مكنتش مكسورة.