النهاردة دخلت عليا مرات ابني وهي بتزعق بصوت هز جدران المطبخ

لمحة نيوز

النهاردة، دخلت عليا مرات ابني، وهي بتزعق بصوت هز جدران المطبخ:

 "انتي لسه قاعدة؟ قومي رتبي البيت ده! انتي مبقتيش تعملي حاجة خالص، والبيت بقى كركبة……..

بيت العمر.. والورث اللي مش هيتلمس

​حماتي كانت دايما تقول: "اللي بنى البيت ده بالدم والدموع، مش هيسمح لحد يهد كرامته فيه". وأنا، "ليلى"، قضيت عمري كله أبني في البيت ده طوبة طوبة مع جوزي الله يرحمه "عادل".

​النهاردة، دخلت عليا "نورهان"، مرات ابني، وهي بتزعق بصوت هز جدران المطبخ:

— "انتي لسه قاعدة؟ قومي رتبي البيت ده! انتي مبقتيش تعملي حاجة خالص، والبيت بقى كركبة!"

​كنت قاعدة بشرب قهوتي في مجي الأزرق القديم، وإيدي بتترعش من كتر الغيظ المكتوم بقاله شهور. "نورهان" كانت واقفة قدامي لابسة بلوزة غالية أنا اللي كاويهالها بإيدي الصبح، وضوافرها الحمراء اللي عمرها ما غسلت طبق في الحوض بتلمع تحت النور.

​— "سمعاني يا طنط ليلى؟ ولا كبرتي وخلاص السمع ضاع هو كمان؟"

​بصيت ناحية باب الصالة، لقيت ابني الوحيد، "كريم"، ساند ضهره على الحيطة وعينه في الموبايل، وكأنه مش سامع مراته وهي بتهين أمه على بعد مترين منه. قلبي اتكسر.. مش من نورهان، لكن من صمت كريم.

​حطيت الماج على الترابيزة بهدوء، وأخدت نفس طويل:

— "نورهان.. البيت ده مش بتاعك."

​ضحكت بسخرية: "نعم؟"

​— "بقولك البيت ده

مش بتاعك، وده الورث اللي عمرك ما هتشوفيه في يوم من الأيام."

​​من تلات سنين، عادل مات وسابلي فراغ كبير. كريم جالي بعد الجنازة هو ونورهان، كانوا متجوزين جديد وعايشين في شقة صغيرة إيجارها واكل مرتبهم.

​— "ماما، إيه رأيك نيجي نعيش معاكي فترة؟ نونسك وفي نفس الوقت نحوش تمن شقة تمليك."

​وافقت بقلب أم.. وفي الأول كانت نورهان رقيقة وبتقولي "يا طنط"، وبنتفرج على المسلسلات سوا. لكن شوية بشوية، الماية بدأت تسرب من تحت العقار.

​نورهان بدأت تغير مكان حاجتي. شالت كرسي الهزاز بتاع عادل وحطته في الجراج وقالت: "موديله قديم ومضيق المكان". وكريم؟ كريم كان بيتفرج على الماتش ولا كأنه هنا.

​بعدها قلبت الأدوار؛ بقيت أنا اللي بطبخ، وأغسل، وأكوي، وأنضف.. وهي تخرج تتفسح وتشتري لبس براندات. وبقيت أنا "الخديجة" في بيتي اللي دافعة تمنه من شقايا.

​​في ليلة، سمعتها بتكلم كريم في الأوضة:

— "يا كريم، مامتك كبرت والبيت ده كبير عليها، إحنا لازم نشوفلها دار مسنين شيك، والبيت ده يتكتب باسمنا، هي خلاص مابقتش تعمل حاجة."

​الدم جمد في عروقي. وفي حفلة عزمت فيها أهلها، خلتني أقدم الأكل والشرب زي الشغالة، ومنعتني أقعد معاهم على السفرة وقالت قدامهم: "أصل طنط ليلى مابقتش تعمل حاجة غير إنها تجيب التلج".

​تاني يوم الصبح، روحت لصاحبة عمري المحامية "أمل". حكيتلها كل

حاجة، وهي ولعت نار:

— "ليلى، البيت باسمك. ونورهان دي بتعمل فيكي (إساءة نفسية). اسمعي مني، هتسجلي لها كل كلمة إهانة، وهنغير الوصية النهاردة."

​رجعت البيت وبدأت ألعب اللعبة صح. بقيت "ليلى" الهادية المطيعة، وفي جيبي جهاز تسجيل صغير بيسجل كل حرف نورهان بتقوله.

​جمعت العقود، الأوراق اللي تثبت إني بعت دهبي وسهرت الليالي عشان أبني البيت ده لما كان كريم لسه طفل. الأوراق اللي نورهان فاكرة إن كريم وقع عليها عشان "مصاريف" كانت في الحقيقة أوراق تثبت ملكيتي الكاملة لأدق تفصيلة في البيت.

بعد ما فوقت لنفسى، قلبي مبقاش فيه مكان للدموع، بقى فيه صخر. دخلت أوضة كريم ونورهان وهي مش هنا، ولقيت اللابتوب مفتوح.. 

وقريت اللي مكنتش أتخيله. نورهان كانت بتبعت لأختها وبتقولها: "العجوزة خلاص متبقاش فيها كتير، وأنا خليت كريم (المغفل) يمضي على توكيل طبي وإدارة ممتلكات، وأول ما تقلب تكل بتموت أو تقع، البيت ده هيبقى ملكي.. وههده وأعمل مطبخ مودرن بدل المطبخ البلدي بتاعها ده."

​أخدت "سكرين شوت" لكل كلمة، وبعتها للمحامية أمل.

​​يوم السبت، طلبت من كريم ونورهان وأهلها يتجمعوا في الصالة. نورهان دخلت بصلف وهي بتقول:

— "خير يا طنط؟ جايبانا على ملا وشنا ليه؟"

​كنت قاعدة ومعايا أمل المحامية، وصوتي كان أهدى وأقوى من أي وقت فات:

— "جايباكم عشان أقولكم إن

المسرحية خلصت. نورهان، اطلعي بره بيتي."

​ضحكت بسخرية وبصت لكريم: "شايف مامتك بتقول إيه؟"

لكن كريم كان وشه شاحب، رميت الموبايل قدامه: "اقرأ يا كريم.. اقرأ مراتك بتقول عليك إيه، وبتقول على أمك إيه."

​كريم قرا الرسايل، وإيده كانت بتترعش من الصدمة. نورهان حاولت تنكر، بس أمل المحامية طلعت التسجيلات الصوتية وهي بتهيني وتأمرني وتخطط لرميي في دار مسنين.

​أبو نورهان وأمها كانوا قاعدين ووشهم في الأرض من الخزي. قومت ووقفت قدام نورهان، وبصيت في عينها بكل قوة:

— "البيت ده أنا اللي بنيته بدمي. بعت حلق فرحي عشان أسنده، وشيلت الطوب على كتفي وعادل مسافر عشان أبنيه. وأنتي جاية عايزة تاخديه على الجاهز؟"

​بصيت لكريم وقلت له:

— "التوكيل اللي خليته يمضيه يا كريم اتلغى، والوصية اتعدلت. البيت ده نصه ليك بشرط إن نورهان ملمسش فيه طوبة، والنص التاني لجمعية خيرية بتراعي المسنين اللي عيالهم رموهم."

​​نورهان خرجت من البيت وهي بتجر ذيول الخيبة، وكريم طلقها بعد ما اكتشف وشها الحقيقي. كريم فضل معايا شهور بيحاول يكفر عن ذنبه، وبقى هو اللي بيطبخ لي ويشيل عني.

​أنا دلوقتي قاعدة في صالوني، وسط جدراني اللي ريحتها "عادل" وشقايا. حولت جزء من البيت لمرسم ومشغل خياطة، وجمعت فيه ستات زيي، بنضحك ونشتغل ونحس بكياننا.

الدرس يا كريم.. إن البيوت متبنيهاش الحيطان،

بتبنيها الأصول. والست اللي سكتت سنين عشان تبني، تقدر في ثانية تهده فوق دماغ اللي يحاول يهد كرامتها.

تم نسخ الرابط