الفريزر القديم
كنت فاكرة إن إصرار مرات أخويا على إنها تاخد فريزر أمي القديم بعد وفاتها مجرد محاولة منها إنها تتمسك بأي حاجة تفتكرها بيها.
لكن لما لقيت لوح مفكوك في قاع الفريزر، اكتشفت إن الموضوع أكبر بكتير...
وإنها كانت بتحمي سر من زمان.
متعمليش كده.
لفيت بسرعة لدرجة إني خبطت كوعي في غطا الفريزر.
كانت سارة واقفة عند أول السلم اللي نازل للقبو.
الغريب إنها ما كانتش لابسة جاكيت، مع إننا كنا في شهر يناير والجو كان ساقع جدًا.
بصيت على وشها، وشفت الصدمة واضحة في عينيها.
قالت
إنتِ عرفتي إني هنا إزاي؟
تجاهلت سؤالي تمامًا، وقالت بصوت متوتر
لو سمحتي، ابعدي عن الفريزر.
بصيت للمفك اللي كان في إيدي.
وبعدين بصيت للوح الأبيض المفكوك الموجود تحت السلال الفاضية.
سألتها
إيه اللي موجود تحت ده؟
سارة بصت ناحية شباك القبو، وكأنها بتتأكد إن مفيش حد بيراقبنا.
وبعدين قالت
حاجة أمك طلبت مني أحافظ عليها.
اتجمدت مكاني.
تحافظي عليها من مين؟
رفعت عينيها وبصتلي أخيرًا.
وقالت
من أخوكي.
ضحكت غصب عني.
مش عشان الكلام كان مضحك.
لكن لأن أخويا كريم كان جوز سارة.
قلت
إنتِ بتحمي حاجة من جوزك؟
ردت بصوت واطي
عارفة إن الموضوع شكله غريب.
لأ... أنا مش فاهمة أصلًا.
وقبل ما تكمل، سمعنا صوت باب البيت وهو بيتفتح فوقينا.
سارة اتخضت.
بس المرة دي ما كانتش مجرد مفاجأة.
كانت خايفة.
خطوات تقيلة بدأت تعدي في مطبخ أمي.
خطوات مألوفة جدًا.
خطوات أخويا.
سارة جريت ناحية الفريزر، ومدت إيدها ورا كيس بسلة مجمدة كنت سايبه على الأرض، وطلعت حاجة صغيرة.
حطتها في إيدي.
كانت قطعة معدن باردة.
مفتاح.
وقالت بسرعة
حطيه في جيبك.
قلت
سارة...
قاطعتني
أرجوكي.
باب القبو بدأ يتفتح.
وصوت كريم جه من فوق
يا منى؟
قفلت سارة الفريزر بسرعة.
وبعدين قربت مني وهمست
مهما يقولك... أوعي تديه المفتاح ده.
أمي، دينا، كانت ماتت من أربع أيام.
وموتها ما كانش مفاجئ.
كانت بتعاني من فشل في عضلة القلب بقالها سنين، وآخر ست شهور من حياتها كانوا أصعب بكتير.
ومع إننا كنا عارفين إنها بتموت...
إلا إن معرفة إن حد هيموت مش بتخلي مكالمة خبر الوفاة أسهل.
أنا وكريم قضينا الأيام اللي بعدها في الحاجات اللي أي عيلة بتعملها بعد وفاة حد قريب منها.
دفن.
ورد.
أوراق التأمين.
مكالمات للأقارب.
وتفتيش في الأدراج، لأن الموت بشكل غريب بيخلي كل واحد فجأة محتاج يعرف شهادة الميلاد اللي محدش شافها من سنة 1987.
سارة ساعدتنا هي كمان.
كانت مرات كريم بقالها أربع عشرة سنة.
علاقتي بيها عمرها ما كانت قوية أوي، لكن كنت بحبها.
كانت هادية.
منظمة.
ودائمًا هي اللي تفتكر أعياد ميلاد كل الناس.
وكان عندها هي وكريم طفلين
آية، عندها 12 سنة.
وآدم، عنده 9 سنين.
لكن الحاجة الغريبة بدأت تاني يوم بعد وفاة أمي.
سارة شدتني على جنب في المطبخ وقالت
إنتِ ناوية تعملي إيه في الفريزر بتاع مامتك؟
بصيتلها باستغراب.
الفريزر؟
قالت
أيوه.
قلت
معرفش.
كان فريزر أفقي قديم جدًا.
لونه كريمي، ومليان خدوش.
تقريبًا كان عنده عشرين سنة.
أمي كانت بتحط فيه خضار متجمد، ولحمة، وشوربة، وخبز يكفي إننا نعيش في البيت في حالة حصلت كارثة عالمية.
قلت لها
ليه؟
قالت
لو محدش عايزه... أنا هاخده.
الموضوع وقتها كان بسيط.
فريزر قديم، ومحدش غالبًا هيكون عايزه.
فقلت
ماشي.
لكن بعدها سألتني تاني في نفس اليوم.
وتاني يوم الصبح سألتني مرة تانية.
وبعدين ليلة الخميس بعتتلي رسالة
أرجوكي متخليش حد ياخد الفريزر.
رديت عليها
محدش عايز الفريزر يا سارة.
بعد دقيقة بعتت
ومتفصليهوش من الكهربا.
هنا بدأت أشك.
اتصلت بيها.
ما ردتش.
بعتلها
ليه لازم يفضل متوصل بالكهربا؟
ما ردتش.
كان يوم الجمعة جنازة أمي.
سارة تقريبًا ما اتكلمتش معايا.
كريم هو اللي ألقى كلمة التأبين.
هو عيط.
وأنا عيطت.
وكلنا رجعنا بعد الجنازة على بيت أمي، وأكلنا الأكلات اللي الناس جابوها معانا.
وفي وقت معين، شفت سارة واقفة لوحدها جنب باب القبو.
كريم قرب منها من وراها.
أول ما شافته، بعدت عنه فورًا.
لاحظت الحركة.
لكن وقتها ما فهمتش معناها.
تاني يوم الصبح، رجعت بيت أمي لوحدي.
أو على الأقل...
كنت فاكرة إني لوحدي.
الفريزر كان صوته واضح في القبو.
طنين مستمر.
فتحته.
كان جواه بسلة متجمدة.
ولحمة مفرومة.
وعلب شوربة.
وحتى ديك رومي أمي غالبًا كانت اشترته من حوالي تمانية شهور عشان كان عليه خصم.
مفيش حاجة تستاهل كل الاهتمام ده.
لكن بعدها لاحظت حاجة.
الأبعاد الداخلية للفريزر.
طول عمر الفريزر ده كان شكله من جوه ضحل بشكل غريب.
شلت السلال.
وضغطت على القاع.
البلاستيك اتحرك.
ضغطت أكتر.
وفجأة...
طرف من القاع اترفع.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت ورايا.
سارة.
دلوقتي كريم كان نازل السلم.
شافنا إحنا الاتنين.
ملامحه اتغيرت.
قال
إيه اللي بيحصل هنا؟
حطيت المفتاح في جيب بنطلوني بسرعة.
وقلت
ولا حاجة.
بص للفريزر الفاضي.
وسأل
إنتِ شيلتي كل حاجة منه ليه؟
قلت
بنضفه.
دلوقتي؟
الظاهر إن الحزن بيخليني منتجة.
في الظروف العادية، كان المفروض يضحك.
لكنه ما ضحكش.
عينيه راحت لسارة.
وقال
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
سارة عقدت دراعتها وقالت
نفس اللي إنت بتعمله.
قال
أنا جيت أدور على منى.
ردت
عرفت إزاي إنها هنا؟
كريم ما ردش.
وهنا الموضوع ضايقني.
سألته
عرفت إزاي؟
رفع تليفونه وقال
عربيتها واقفة بره.
رد منطقي.
لكن بعدها أشار للفريزر وقال
هنخلص من الخردة دي إمتى؟
سارة ردت بسرعة
لأ.
كريم بص لها.
إيه؟
قالت
أنا هاخده.
سألها
هتعملي بيه إيه؟
هحطه في الجراج.
قال
إنتِ أصلًا بتكرهي الفريزر ده.
لأ، مش بكرهه.
ضحك وقال
إنتِ بنفسك قولتي لماما إنه ريحته غريبة.
شدت سارة شفايفها وسكتت.
كريم ضحك مرة تانية.
وبعدين بصلي وقال
ارميه وخلاص.
سارة قالت
لأ.
كلمة واحدة.
لكن ملامح كريم اتغيرت.
كان تغيير بسيط جدًا.
لو ما كنتش مركز معاهم، يمكن ما كنتش لاحظته.
فكه اتشد.
وصوته نزل وهو بيقول
سارة.
سارة بصت في الأرض.
وفجأة بدأت أفتكر حاجات كتير.
حاجات كنت بشوفها عادية جدًا.
سارة كانت دايمًا بتطلب الإذن قبل ما تشتري أي حاجة في تجمعات العيلة.
كريم كان بيهزر ويقول إنها مش بتعرف تتصرف في الفلوس.
لما سارة كانت عايزة ترجع تدرس التمريض، كريم قال إن موضوع حضانة الأطفال مستحيل.
ولا حاجة من دول لوحدها كانت كفاية إنها تخوفني.
لكن لما جمعتهم جنب بعض...
بدأ شكل الموضوع يتغير.
قلت
أنا وعدت سارة بالفريزر.
كريم بصلي بضيق.
وبعدين قال
ماشي.
وطلع السلم.
استنينا لحد ما باب البيت اتقفل.
سارة فضلت واقفة مكانها حوالي دقيقة كاملة.
وأخيرًا طلعت المفتاح من جيبي.
وقلت
المفتاح ده بيفتح إيه؟
عينيها اتمليت دموع.
وقالت
الصندوق.
صندوق إيه؟
أشارت للوح المفكوك.
شلت اللوح.
وتحته...
كان فيه تجويف ضيق معمول بين بطانة الفريزر وقاعدة الفريزر.
وجواه كان فيه صندوق معدني فضي.
الصندوق كان ملفوف في كيسين بلاستيك تقال.
فضلت باصة له.
وقلت
ماما هي اللي عملت ده؟
هزت راسها.
لأ.
وبعدين قالت
أبوكي هو اللي عمله من سنين.
بابا كان مات من 11 سنة.
قالت سارة إن بابا هو اللي عمل التجويف ده عشان يخبي فلوس للطوارئ، لأنه ما كانش بيثق في البنوك بعد ما جده خسر تقريبًا كل فلوسه في مشروع فاشل.
أمي نفسها كانت نسيت الموضوع.
لحد من حوالي سنتين.
وقتها افتكرت الصندوق.
وساعتها...
أدت سارة المفتاح.
شلت الصندوق من مكانه.
كان أتقل مما توقعت.
دخلت المفتاح في القفل.
فتحته.
وجواه...
كان فيه مظاريف.
ورزمة فلوس.
وجوازي سفر.
وشهادات ميلاد.
وصور من كشوف حسابات بنكية.
وفلاشة USB.
وفوق كل ده...
كانت فيه رسالة مكتوبة بخط إيد أمي.
أول ظرف كان مكتوب عليه
لسارة والأولاد.
بصيت لسارة.
وقلت
إيه ده؟
انهارت في العياط.
المرة دي ما حاولتش تخبي دموعها.
كتافها انحنت لجوا، كأنها كانت شايلة حمل ضخم سنين طويلة، وفجأة ما قدرتش تستحمله أكتر.
وقالت
أمك كانت بتساعدني أهرب.
قعدت على درجة السلم.
وقلت
تهربي من كريم؟
هزت راسها.
أول إحساس جالي كان عدم التصديق.
مش لأن كريم كان شخص مثالي.
هو ما كانش.
لكن لأنه أخويا الصغير.
الولد اللي كان زمان بينام قدام باب أوضتي لما كنت أتفرج على فيلم