اهل جوزي
اتجوزت جوزي ٨ سنين وفجأة قرر يجيب أبوه وأمه يعيشوا معانا في البيت، من غير حتى ما ياخد رأيي!
أنا ما خنقتش، وما عملتش خناقة كل اللي عملته إني من تاني يوم بقيت أرجع من الشغل على بيت أمي آكل وأرجع.
يوم ورا يوم أسبوع ورا أسبوع لحد ما عدى ٩٠ يوم وأنا ما أكلتش لقمة واحدة في بيت جوزي.
وأغرب حاجة؟
إنه كل ليلة كان يقعد مستنيني على السفرة، والأكل قدامه يبرد وهو ساكت.
لكن في اليوم ال٩١، حصلت حاجة محدش كان متوقعها
جوزي رمى المعلقة من إيده، وانهار قدامي وهو بيعيط وقال
إنتِ هترجعي بيتك إمتى بقى؟!
بصيتله بهدوء وقلت
لما أبوك وأمك يمشوا من البيت ساعتها هرجع.
بعد ما قفلت باب الأوضة ورايا، فضلت واقفة شوية وأنا باصة للباب.
كنت سامعة صوت حماتي من برّه وهي بتتكلم بعصبية
دي مش عايزة تعيش معانا من الأساس!
وصوت حمايا جه بعدها بهدوء
سيبيها بكرة هتعقل.
لكن أكتر صوت وجعني كان صوت جوزي.
كان ساكت.
ولا دافع عني ولا حتى حاول يقول لهم إن البيت ده بيتي زي ما هو بيتهم.
دخلت السرير، وحاولت أنام.
لكن قبل ما عيني تقفل، موبايلي نَوّر برسالة من جوزي
بكرة نتكلم.
بصيت للرسالة شوية، وبعدين قفلت الموبايل.
أنا كنت عارفة إن الكلام خلص من زمان.
تاني يوم، صحيت بدري وروحت الشغل كأني ما حصلش حاجة.
وعند نهاية اليوم، ركبت عربيتي وروحت على بيت أمي.
وأول ما دخلت، أمي بصتلي وقالت
هتفضلي تعملي كده كل يوم؟
ابتسمت وقلت
أيوه.
قالت باستغراب
طب وجوزك؟
قلت وأنا بحط شنطتي
هو اختار يعيش مع أهله وأنا اخترت آكل مع أهلي.
أمي سكتت.
لكنها فهمت.
ومن اليوم ده، بقى عندي نظام ثابت.
الشغل بيت أمي العشا وبعدها أرجع أنام في بيتي.
أما البيت اللي جوزي قرر يغيره من غير ما يسألني، فبقيت أدخله بس وقت النوم.
ومرت الأيام.
أسبوع.
أسبوعين.
شهر.
وفي كل يوم، نفس المشهد بيتكرر.
جوزي يبعت
هترجعي إمتى؟
وأنا أرد
بعد ما أخلص.
لحد ما في يوم، رجعت البيت متأخرة شوية.
أول ما فتحت الباب، لقيت السفرة متحضرة.
أربع أطباق.
الأكل لسه سخن.
وجوزي قاعد مستنيني.
بصلي وقال
تعالي كلي.
بصيت للسفرة، وبعدين بصيتله.
قلت
أنا أكلت.
وشلت شنطتي ودخلت الأوضة.
سمعته من ورايا بيقول
طب اقعدي معايا شوية.
ما رديتش.
ومن اليوم ده، بدأ يعمل حاجة غريبة.
كل يوم كان يحضر الأكل ويستنى.
حتى لو اتأخرت.
حتى لو عارف إني مش هاكل.
كان يفضل قاعد على السفرة.
وأمه كانت كل ليلة تتخانق معاه
سيبها، هي اللي اختارت تروح عند أمها!
وهو ما كانش بيرد.
لحد ما عدى شهر كامل.
وبعده شهر تاني.
وبعده شهر تالت.
تسعين يوم.
تسعين يوم وأنا ما أكلتش وجبة واحدة في بيتي.
وفي ليلة اليوم التسعين، رجعت كالعادة.
لكن أول ما دخلت، حسيت إن الجو مختلف.
البيت كان هادي بشكل غريب.
دخلت الصالة.
لقيت جوزي قاعد لوحده على السفرة.
الأكل قدامه.
لكن المرة دي ما كانش مستنيني علشان يتخانق.
كان مستنيني علشان يقول حاجة.
رفع عينه وبصلي.
وشفت لأول مرة من شهور عينه مليانة دموع.
قال بصوت مكسور
تعالي اقعدي.
وقفت مكاني.
قال
مش عايز آكل.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا تعبت.
بصيتله من غير ما أتكلم.
وفجأة، مسك وشه بإيده وبدأ يعيط.
وقال
أنا فاهم إنك زعلانة بس إنتِ هتفضلي بعيدة عني لحد إمتى؟
رديت بهدوء
لحد ما البيت يرجع بيتي.
رفع عينه وقال
يعني إيه؟
قلت
يعني لحد ما أبوك وأمك يمشوا.
سكت.
طول جدًا.
وبعدين قال جملة واحدة خلتني أحس إن اللي حصل طول الشهور اللي فاتت كان مجرد بداية
لو قلتلك إنهم مش هيمشوا هتعملي إيه؟
بصيتله في عينه.
وقلت
ساعتها أنا اللي همشي.
وفجأة، سمعنا صوت حاجة وقعت في المطبخ.
اتلفتنا إحنا الاتنين.
كانت حماتي واقفة هناك.
وسمعت كل كلمة.
لكن اللي حصل بعدها هو اللي خلّى جوزي نفسه يندم على اليوم اللي قرر فيه يدخلهم البيت.
حماتي فضلت واقفة مكانها، وشها متغير تمامًا.
واضح إنها سمعت كل حاجة.
بصتلي وقالت بعصبية
إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟! دي بلدنا زي ما هي بلدك!
بصيتلها بهدوء وقلت
لا يا ماما دي كانت بيتي قبل ما حضرتك تيجي.
وشها احمر، وقالت
يعني عايزانا نخرج؟ إحنا أهل جوزك!
قبل ما أرد، جوزي قام من مكانه.
ولأول مرة من يوم ما أهله دخلوا البيت، وقف قدامي.
وقال
أيوه.
حماتي بصتله وكأنها مش مصدقة.
أيوه إيه؟!
قال
مراتي عندها حق.
الصالة كلها سكتت.
حتى حمايا نزل الجرنال من إيده وبصله.
جوزي كمل
أنا غلطت لما قررت إنكم تيجوا تعيشوا هنا من غير ما آخد رأيها.
حماتي ضربت بإيدها على الترابيزة
غلطت؟! إحنا أبوك وأمك!
قال
وإنتوا أهلي وهتفضلوا أهلي بس هي مراتي.
حماتي بدأت تعيط وقالت
يعني بعد ما ربيتك وكبرتك، تيجي واحدة تتحكم فيك؟
جوزي سكت.
وبعدين قال
محدش بيتحكم فيا أنا اللي أخيرًا فهمت.
بصيتله وأنا مش مصدقة.
بعد تسعين يوم من الصمت، أخيرًا اتكلم.
لكن حماتي ما استسلمتش.
قالت
طيب هنروح فين؟
جوزي رد
أنا حجزت لكم شقة.
سكتت.
قالت
إمتى؟
قال
بكرة.
حمايا أخيرًا اتكلم
بكرة؟
جوزي هز راسه.
أيوه.
أنا فضلت ساكتة.
مش عارفة أفرح ولا أصدق.
بعد ما دخلوا أوضتهم، جوزي قرب مني.
وقال بصوت واطي
ممكن تسامحيني؟
بصيتله.
وقلت
أنا مش زعلانة علشان أهلك جم.
سكت.
قلت
أنا زعلانة علشانك خليتني أحس إن وجودي في بيتنا أقل أهمية من وجود أي حد تاني.
نزل عينه.
قلت
أنا استنيت منك كلمة واحدة بس طول التلات شهور.
رفع عينه وقال
إيه هي؟
قلت
إنك فاهمني.
دموعه نزلت تاني.
وقال
أنا فهمتك بس متأخر.
في اللحظة دي، افتكرت كل مرة كنت برجع فيها من الشغل لوحدي، وكل مرة كنت باكل عند أمي، وكل ليلة كنت بدخل بيتنا وأنا حاسة إني غريبة فيه.
وقتها فهمت إن المشكلة ما كانتش في السفرة.
ولا في الأكل.
ولا حتى في وجود أهله.
المشكلة كانت إن جوزي نسي إن الزواج شراكة.
تاني يوم، بدأوا يلموا حاجتهم.
لكن قبل ما حماتي تخرج، وقفت قدامي.
كنت متوقعة إنها هتقول كلمة جارحة.
لكنها فاجأتني وقالت
إنتِ عنيدة.
ابتسمت.
قالت
بس يمكن أنا كنت محتاجة أكون مكانك