حماتي والسر القديم

لمحة نيوز

السن، شعره فضي، وعينيه طيبة، واقف وهو متكئ على عصاية.
كان لابس قميص كاروهات وبنطلون جينز.
سألني
أقدر أساعدك؟
طلعت كارت البريد من شنطتي.
إنت تعرف حسن المنشاوي؟
وشه اتغير.
وبعدين ابتسم.
حسن؟ طبعًا! ده كان أعز صاحبي.
قلبي دق بسرعة.
قلت
أنا بنته.
ملامحه هديت فورًا.
ادخلي لو سمحتي.
اسمه كان حسن.
دخلني غرفة معيشة دافية مليانة كتب قديمة وصور باهتة.
قعدت على كنبة قديمة.
وقلت
أنا عارفة إن الموضوع غريب بس حد سألني عن سنة 1981، وأبويا كان هنا وقتها. إنت فاكر أي حاجة من الفترة دي؟
ضحك بهدوء.
طبعًا فاكر. كنا شباب. كنا بنشتغل في المصنع، ونشرب بيرة رخيصة، ونروح نرقص معظم الويك إند. مكنش فيه حاجة مهمة كانت مجرد حياة.
طلعت صورة ليلى من شنطتي.
ومديتها له.
كنت مركزة في تعبير وشه.
ابتسامته اختفت.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال بصوت واطي
دي ليلى.
قلبي اتقبض.
إنت تعرفها؟
هز راسه.
اتقابلنا في الصيف ده. كانت جميلة جدًا. حصل بينا حاجة.
إيدي بدأت تبرد.
سألته
فضلتوا على تواصل؟
هز راسه.
لأ. قالت لي إنها حامل وإنها هتخلي الطفل. وبعدها اختفت. عمري ما شفتها تاني.
بلعت ريقي بصعوبة.
جوزي اتولد سنة 1982.
رفع حسن عينيه فجأة.
بص لي بتركيز.
ليلى هي أم جوزك؟
هزيت راسي.
اتراجع على الكرسي ببطء.
وبصوت شبه هامس قال
يبقى أنا أعتقد إني أبوه.
سكتنا.
الصمت كان تقيل جدًا.
كل قطع اللغز بدأت تركب فوق بعضها.
لكن الصورة اللي ظهرت قدامي كانت أعقد بكتير مما كنت أتخيل.
ليلى فتحت الباب ببطء.
إيدها كانت لسه ماسكة المقبض.
أول ما عينيها وقعت على حسن واقف جنبي
لون وشها اختفى.
جسمها اتصلب.
وشفايفها اتحركت كأنها عايزة تقول حاجة، لكن مفيش صوت خرج.
حسن وقف جنبي وقال بهدوء وحزم
ليلى لازم نتكلم.
في اللحظة دي، أحمد ظهر.
عينيه اتحركت بينا كلنا.
إيه اللي بيحصل؟
صوته كان مليان قلق.
بص لي، وبعدين لأمه، مستني حد يفسر له.
أخدت نفس طويل.
وقلت
ليلى كفاية. لازم يعرف الحقيقة.
ليلى بصت للأرض.
وبعدين رفعت عينيها لأحمد.
إيديها كانت بتترعش.
بدأت تتكلم
أنا كنت صغيرة صغيرة جدًا وخايفة.
سكتت لحظة.
أهلي مكنوش موافقين على حسن. قالوا إنه مش مناسب ليا.
حسن فضل ساكت.
بعد ما عرفت إني حامل، سبت المكان. وقلت له إني حامل.
صوتها بدأ يهتز.
كنت فاكرة إني بعمل الصح. ربيتك لوحدي يا أحمد.
دموعها بدأت تنزل.
ولما قابلت محمود، كنت كل ليلة بدعي إنه ميكشفش سري علشان لو عرف، ممكن يهد بيتي الجديد.
أحمد عقد حواجبه.
وبص لها.
يعني حسن هو أبويا الحقيقي؟
ليلى هزت راسها ببطء.
دموعها كانت بتنزل.
أيوه.
أحمد فضل ساكت.
وبعدين سأل
وليه مخبيتي عليا كل السنين دي؟
قالت
كنت فاكرة إن ده أحسن ليك. لكن بعد ما محمود مات أنا خفت.
سألها
خوفتي من إيه؟
بصت لي.
خفت إن رنا تكون عرفت الحقيقة.
اتسعت عيني.
وعشان كده بعتيلي الجواب؟
هزت راسها.
كنت عايزة أصلح علاقتنا قبل ما الحقيقة تظهر.
حسن قرب خطوة.
وقال لأحمد
أنا مش جاي أهد حياتك يا أحمد. أنا بس عايز فرصة لو إنت مستعد تديني فرصة.
سكت أحمد وقت طويل.
وبعدين قال بهدوء
خلينا ناخد الموضوع واحدة واحدة.
في نفس الليلة، كنت أنا وأحمد قاعدين على الشرفة.
بطانية ملفوفة حوالينا.
والنجوم كانت باينة أوضح من أي وقت فات.
قال أحمد بصوت مليان دهشة
غريبة إزاي كل حاجة ممكن تتغير في لحظة واحدة.
ضغطت على إيده.
المهم إننا عرفنا الحقيقة.
بص لي وقال
وإنتِ وأمي؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
مش هنصبح أعز أصحاب يعني.
ضحك.
بس يمكن نبطل نبقى أعداء.
ابتسم أحمد وحط راسه على كتفي.
دي بداية كويسة.
وفي اللحظة دي، تحت السما الواسعة والنجوم، حسيت إن حاجة جديدة بدأت.
حاجة مبنية على الحقيقة.
هشة
لكن فيها أمل.
وأحيانًا، الحقيقة مهما كانت مؤلمة، بتكون أول خطوة عشان كل حاجة تبدأ من جديد.

تم نسخ الرابط