حماتي والسر القديم
عاملتني حماتي كأني ولا حاجة لسنين لحد ما أبويا مات وبعتتلي جواب قالت فيه دلوقتي نقدر نبقى أصحاب!
في الليلة اللي سبقت جنازة أبويا، مقدرتش أنام. كان شاغل بالي التليفون اللي أبويا اتصل بيا بيه آخر مرة ومردتش عليه.
بس الحزن مكنش هو السبب الوحيد اللي مخليني صاحيه.
كان فيه حاجة غريبة رسائل صوتية ملخبطة، وحضن بارد من حماتي، وسؤال غريب جدًا عن سنة 1981 سؤال مكنتش أعرف وقتها إنه هيقلب حياتي كلها.
كانت الساعة في المطبخ بتدق بصوت أعلى من المعتاد. صوت التلاجة، وصوت الكرسي الخشب وهو بيتحرك تحتي، كل حاجة كانت عاملة زي صدى جوه كهف.
قعدت أقلب المعلقة في كوباية الشاي الباردة من غير ما أشربها. كانت طعمتها مرة، بس مكنش فارق معايا.
عيني كانت كل شوية تروح للموبايل.
الشاشة كانت مطفية، لكني كنت عارفة أنا هشوف إيه لو فتحته.
اسم أبويا
وأربع مكالمات فائتة.
آخر مكالمة كانت وأنا سايقة. قلت لنفسي وقتها هكلمه لما أوصل.
ومكلمتوش.
الندم كان بيعصر قلبي.
الموضوع مكنش مجرد مكالمة ضاعت.
الموضوع إن آخر لحظة بيني وبين أبويا انتهت من غير ما أقول له أي حاجة.
مفيش بحبك أخيرة أفتكرها.
مفيش كلمة أخيرة أتمسك بيها.
بس سكوت.
وفجأة سمعت خطوات.
ظهر جوزي أحمد عند باب المطبخ.
كان هو كمان باين عليه التعب، لكن أول ما شافني، ملامحه هديت.
قال بصوت واطي
رنا، إنتِ كويسة؟
هزيت راسي.
لأ كل شوية بفكر يا ترى لو كنت رديت عليه؟ لو كنت كلمته؟ يمكن كان عايز يقول لي حاجة مهمة يمكن بس كان عايز يسمع صوتي.
قعد أحمد جنبي وحط دراعه حوالين كتفي.
سندت راسي على صدره. دفء جسمه خفف الوجع شوية.
بص للموبايل اللي اهتز على الترابيزة وقال
أمي اتصلت بيكي أربع مرات امبارح.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.
دي مش عادتها.
هز راسه.
أيوه غريب. يمكن كانت عايزة تقولك حاجة. هي كمان بقالها فترة ساكتة.
بصيت له باستغراب.
إنت عارف إنها مش طيقاني. أنا حاولت يا أحمد والله حاولت. وكل اللي أخدته منها طول السنين نظرات باردة وكلام حلو من بره، بس كله تجريح.
مجادلنيش.
كان عارف إني بقول الحقيقة.
قال بهدوء
برضه يمكن المرة دي مختلفة.
تنهدت وأنا ببص للكوباية اللي في إيدي.
مش النهارده أرجوك. أنا مش ناقصة أتعامل معاها كمان.
فضلنا ساكتين.
وبعد شوية قام ومد إيده لي.
تيجي ننام؟
هزيت راسي ومسكّت إيده.
مشينا سوا ناحية الأوضة.
لكن حتى وأنا في السرير، وتحت البطانية، وبين دراعين أحمد، عقلي مكنش راضي يهدى.
النوم مجاش.
تاني يوم، البيت كان مليان ناس.
أصوات واطية، بكاء مكتوم، ريحة قهوة وأكل اتعمل للناس اللي جاية تعزي.
الناس كانت بتتحرك من مكان للتاني، تحضن بعض وتقول كلام مواساة.
وأنا كنت حاسة إني بتفرج على كل ده من بعيد.
قلبي كان مرهق لدرجة إنه مكنش قادر يشيل أي حاجة غير وجع فقدان أبويا.
لحد ما شوفتها.
ليلى.
حماتي.
كانت واقفة جنب الشباك، لابسة فستان أسود أنيق، وحوالي رقبتها سلسلة من اللؤلؤ بتلمع تحت نور الأباجورة.
كانت دايمًا بتظهر كأنها خارجة من مجلة قديمة.
مثالية
وباردة.
مكنتش متوقعة إنها تكلمني.
لكنها قربت مني، وحضنتني حضن سريع ومحسوب.
وقالت بهدوء
أنا آسفة يا رنا أبوكي كان راجل كويس.
بصيت لها باستغراب.
شكرًا.
مكنتش عارفة أقول إيه تاني.
لكنها قربت وشها مني وخفضت صوتها.
أبوكي عمره ما حكى لك عن سنة 1981؟
اتجمدت مكاني.
إيه؟
بصت للأرض لحظة، وبعدها قالت وكأنها بتسأل سؤال عادي
هو كان قضى فترة في ولاية تانية السنة دي، مش كده؟
هزيت راسي ببطء.
أيوه أعتقد كانت شغل. ليه؟
ابتسمت ابتسامة متوترة.
آه ولا حاجة. انسي.
ومشيت.
فضلت واقفة مكاني.
ليه سنة 1981 تحديدًا؟
هي كانت بتسأل عن إيه؟
وليه السؤال ده ظهر دلوقتي؟
حسيت بقشعريرة في جسمي.
كان فيه حاجة غلط.
تاني يوم الصبح، البيت كان هادي بشكل غريب.
كنت لسه بملابس النوم، واقفة في المطبخ وببص على ماكينة القهوة، لما سمعت صوت ظرف بيقع على الأرض عند باب البيت.
روحت أشوف.
لقيت ظرف أبيض سميك على الدواسة.
واسمي مكتوب عليه بخط أنيق جدًا.
الظرف كان مقفول بختم شمع أحمر.
قلبي وقع.
ليلى.
طبعًا هي.
مين غيرها ممكن يبعت جواب مختوم بالشمع كأننا عايشين في رواية من القرن التاسع عشر؟
فتحت الظرف بحذر.
الورقة كانت ناعمة وغالية، وكان فيها ريحة برفانها ريحة زهور قوية وحادة.
بدأت أقرأ
عزيزتي رنا،
أنا عارفة إن علاقتنا عمرها ما كانت أحسن حاجة. وأنا أعترف إني كنت قاسية عليكي.
الحزن ساعات بيخلينا نشوف الأمور بشكل مختلف.
وأعتقد إننا لازم نبدأ من جديد.
دلوقتي، بعد وفاة أبوكي، مفيش سبب يمنع إننا نبقى أصحاب.
ثبتت عيني على آخر جملة.
بعد وفاة أبوكي؟
ليه موت أبويا غيّر كل حاجة بالنسبة لها؟
وليه قالتها بالشكل ده؟
كأن أبويا كان هو الشخص الوحيد اللي واقف في طريق حاجة هي عايزاها تحصل؟
افتكرت سؤالها عن سنة 1981.
ومقدرتش أخرجه من دماغي.
روحت فورًا لمكتب أبويا وفتحت الدرج بتاعه.
كان مليان أوراق قديمة وأقلام ومفاتيح.
لكن في آخر الدرج، لقيت صندوق صغير.
فتحته.
كان جواه شوية كروت بريد قديمة.
قعدت أقلب فيها.
لحد ما واحدة شدت انتباهي.
نبراسكا.
والتاريخ
1981.
وكان لسه عنوان المرسل موجود.
مسكت الكارت بإيدي.
وفجأة عرفت إني لازم أعرف الحقيقة.
حطيت شوية هدوم في شنطة.
قلت لأحمد إني محتاجة يوم بعيد عن كل حاجة.
وركبت العربية.
وسقت.
كل ما كنت بقرب من العنوان، إيدي كانت بتشد أكتر على الدريكسيون.
لحد ما وصلت لبلدة صغيرة في نبراسكا.
العنوان كان لبيت صغير، لكنه مرتب جدًا.
جوانبه بيضاء، وقدامه أرجوحة خشبية خضرا بتتحرك مع الهوا.
وقفت قدامه.
أخدت نفس عميق.
طلعت السلم وخبطت على الباب.
بعد لحظات، الباب اتفتح.
راجل كبير في