الشاب والمرأة العجوز
— يعني أنا مش هاخد الشركات؟
— لأ.
— العقارات؟
— لأ.
— الحسابات؟
— لأ.
وقفت.
— طيب أنا اتجوزتك ليه؟!
مارغريت بصت لي بهدوء.
— ده سؤال المفروض تسأله لنفسك.
كنت على وشك الانفجار.
لكنها قلبت صفحة تانية.
وقالت:
— ولسه ماوصلناش لأهم بند.
قريت السطر.
وبعدين رجعت قريته.
ماصدقتش.
— إيه ده؟
قالت:
— لو قررت تنهي الزواج بإرادتك من غير سبب قانوني قوي ومثبت، عليك تعويض قدره خمسة ملايين دولار.
بصيت لها.
— خمسة… ملايين؟
— أيوه.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— مستحيل.
قالت:
— وقعت بإيدك.
حسيت بدوخة.
أنا دخلت الجوازة عشان أهرب من الديون.
دلوقتي بقيت مربوط بجوازة لو خرجت منها، ممكن أبقى مدين بخمسة ملايين دولار.
قلت بعصبية:
— إنتِ خططتي لكل ده!
مارغريت ما ردتش.
سألتها:
— من البداية؟
فضلت ساكتة.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على وشي.
كنت عايز أهرب.
لكن أهرب على فين؟
أمي محتاجة فلوس.
الديون موجودة.
والقصر اللي كنت فاكره بداية ثروتي…
طلع قفصًا من ذهب.
مرت الأيام الأولى ببطء.
مارغريت ما كانتش بتذلني.
وده كان اللي حيّرني.
كانت بتعاملني باحترام.
تديني مصروفي.
وتسمح لي أعيش في القصر.
لكن في نفس الوقت…
كنت حاسس إنها بتراقبني.
وفي كل مرة أطلب حاجة، كانت تسأل:
— ليه؟
في البداية كنت بعصب.
وبعدين بدأت أفهم.
هي كانت بتحاول تعرف إذا كنت اتغيرت فعلًا.
أم لسه مستني موتها.
وبعد شهر تقريبًا، حصل شيء أغرب.
رجعت من شغلي القديم.
آه، ما بطلتش الشغل.
كنت مصمم أثبت لنفسي إنني مش محتاجها.
دخلت القصر.
لقيت مارغريت قاعدة في المكتب.
قدامها ظرف.
قالت:
— تعالى.
قربت.
— إيه ده؟
مدت لي الظرف.
فتحته.
كان فيه إيصال تحويل.
المبلغ كان ضخم.
قلت:
— ده إيه؟
— دي أول دفعة من الأرباح اللي أنت ساهمت في تحقيقها.
ضحكت بسخرية.
— أنا؟
— أيوه.
— أنا معملتش حاجة.
— بالضبط.
بصيت لها باستغراب.
قالت:
— لكنك عملت حاجة أهم.
— إيه؟
— سألت.
سكتت لحظة.
— فاكر أول يوم قابلتك فيه وسألتك لو معاك فلوس هتعمل إيه؟
هزيت راسي.
— كنت باختبرك.
— ليه؟
قالت:
— لأن قبل ما أموت، لازم أعرف مين هيحصل على كل اللي بنيته.
ثم فتحت درج المكتب.
طلعت ملف.
وحطته قدامي.
— جوزي الراحل كان عنده ولد من زواج سابق.
اتصدمت.
— إيه؟
— مات من سنين.
— وليه ماكنتش أعرف؟
— لأن الموضوع كان سر.
فتحت الملف.
— وعندي حفيد.
بصيت لها.
— فين؟
قالت:
— بره البلد.
ثم قربت الملف مني.
— والحفيد ده هو الوريث الحقيقي للجزء الأكبر من الإمبراطورية.
قلت:
— أمال ليه اتجوزتيني؟
ابتسمت.
— عشان كنت محتاجة شخص أختبره.
قلت:
— تختبريني في إيه؟
— هل الفلوس هتغيره؟
سكتت.
ثم قالت:
— وأنت فشلت في البداية.
الكلمة وجعتني.
— لكن…
رفعت إيدها.
— لسه القصة ماخلصتش.
بعدها بدأت تعلمّني.
مش إزاي أصرف الفلوس.
لكن إزاي أفهمها.
أدخلتني في اجتماعات.
خلتني أتعامل مع المحامين.
خلتني أقرأ العقود.
وأتعلم إدارة الشركات.
وفي كل مرة كنت أغلط، كانت تقول:
— الفلوس بتروح من إيد اللي مايعرفش قيمتها.
بعد سنة، كنت شخصًا مختلفًا.
مش غني.
لكن فاهم.
وبدأت ألاحظ حاجة.
مارغريت كانت بتتعب.
وفي يوم، رجعت البيت لقيتها وقعت في الحديقة.
جريت عليها.
لأول مرة في حياتي، خوفت عليها بجد.
مش على فلوسها.
عليها هي.
فضلت جنبها لحد ما الإسعاف جه.
في المستشفى، الدكتور قال:
— حالتها مستقرة، لكن لازم ترتاح.
قعدت جنب سريرها طول الليل.
ولما فتحت عينيها، قالت:
— ليه ما مشيتش؟
قلت:
— عشان إنتِ مراتي.
ابتسمت.
— لأول مرة أصدق الجملة دي.
بعد أيام، رجعنا القصر.
وفي مساء هادي، مارغريت نادتني للمكتب.
قالت:
— دانيال، عندي حاجة ليك.
طلعت ورقة.
حطتها قدامي.
كانت وصية جديدة.
قرأتها.
واتصدمت.
قالت:
— غيرت كل شيء.
بصيت لها.
— ليه؟
قالت:
— لأنك اتغيرت.
ثم قالت:
— في البداية، كنت بتستنى موتي.
سكت.
— دلوقتي بقيت تخاف عليّ.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت:
— أنا آسف.
قالت:
— أنا مش عايزاك تعتذر.
ثم ابتسمت.
— عايزاك تتعلم.
سألتها:
— هتديني فلوس؟
ضحكت.
— لأ.
اتوترت.
قالت:
— هديك فرصة.
فتحت الورقة.
كانت بتمنحني نسبة من إحدى شركاتها، لكن بشرط أن أعمل وأثبت قدرتي على إدارتها لسنوات.
والأهم…
إن جزءًا من ثروتها كان هيروح لأمي عشان تعيش بأمان.
ماقدرتش أتكلم.
قلت:
— ليه عملتي كل ده؟
بصت من الشباك.
— لأن زوجي كان عنده فلوس كتير.
ثم قالت:
— لكن في آخر حياته، اكتشف إن كل اللي حواليه كانوا بيحبوا ثروته أكتر منه.
سكتت لحظة.
— وأنا كنت عايزة أعرف هل لسه في حد ممكن يختار الإنسان قبل الفلوس.
بصيت لها.
— وأنا اخترتك؟
ابتسمت.
— متأخر جدًا.
ضحكت.
ضحكت معاها.
وبعد سنوات، لما الناس كانت بتسألني إزاي شاب في الثانية والعشرين اتجوز ست في السبعين…
كنت بقول:
— أنا دخلت الجوازة وأنا فاكر إني أنا اللي هخدعها.
ثم أبتسم.
— لكن الحقيقة إن هي كانت أذكى مني بكتير.
مارغريت عاشت سنوات بعدها.
وأنا ماعدتش الشخص اللي بيحسب ثروتها وينتظر موتها.
بقيت شريكها الحقيقي.
ولما توفت بعد سنوات طويلة، ما ورثتش كل ثروتها زي ما كنت بحلم في أول يوم.
لكن ورثت حاجة أغلى.
شركة.
خبرة.
اسم محترم.
وأم عايشة في أمان.
والأهم…
تعلمت درس عمري كله:
الفقر ممكن يخليك تحلم بالفلوس، لكن الطمع ممكن يخليك تخسر نفسك وأنت فاكر إنك بتكسب.
أما عقد الزواج اللي كنت شايفه في البداية “فخًا”…
ففضل محتفظ بيه في مكتبي لسنين.
كل ما أشوفه، أفتكر أول ليلة.
وأفتكر الجملة اللي قالتها لي مارغريت:
“إنت كنت فاكر إنك اتجوزتني عشان ثروتي… لكنك ماكنتش تعرف إن الثروة الحقيقية كانت الاختبار اللي حطيتك فيه.”
النهاية.