المربية المخلصة

لمحة نيوز

طاقة للأطفال في سنهم. أول ما قربت منهم، اتأكدت شكوكي.. نفس الريحة المسكرة الكيميائية كانت لازقة في شعرهم، ومغرقة هدومهم وملايات السرير.
سألت طارق بصوت واطي الأوضة دي بيترش فيها معطرات جو معينة؟
طارق هز راسه بنفي دكتور شريف مانع أي عطور تماماً عشان حساسية صدورهم.. هو حتى ركب بنفسه فلاتر خاصة في فتحات التكييف بتاعت جناحهم من تسع شهور، وقال إنها بتنقي الهوا بمواد طبية نادرة بيستوردها مخصوص.
الكلمة دي رنت في ودني زي جرس إنذار تسع شهور. نفس الفترة اللي تدهورت فيها حالتهم بشكل مرعب ومحدش عارف سببه.
استنيت لحد ما الليل دخل والهدوء عم القصر كله، وطارق نزل مكتبه يتابع شغل. طلعت بهدوء للدور التاني، ومعايا مفك صغير ومنديل قماش أبيض. وقفت على كرسي وسحبت وش فتحة التهوية اللي بين الأوضتين بحذر. ورا الفلتر المعدني، كان فيه جهاز صغير متوصل بأسلاك التكييف، وفيه أنبوبة زجاجية بتنقط سائل زيتي شفاف بيتبخر ببطء مع ضغط الهوا.. ريحة السائل الخام كانت نفاذة وبتلسع الحلق، شبه مادة الزرنيخ العضوي المعطر أو نوع من السموم العصبية بطيئة المفعول اللي بتدمر المناعة والأعصاب بالتدريج وتظهر في التحاليل العادية كأنها فشل مناعي وراثي.
وقبل ما ألحق أفك الأنبوبة، سمعت صوت خطوات بطيئة ورا ضهري، وصوت تكّة سلاح بتتعمر في عتمة الممر.
لفيت ببطء.. مكنتش سعاد، ولا كان طارق. كان دكتور شريف واقف في الضلمة، باصصلي بنظرة باردة وهو ماسك مسدس في إيده، وقال بابتسامة خبيثة قولتلك الصبح.. المربية اللي بتلعب دور المحقق، عمرها بيكون قصير أوي في البيت ده.
كتمت نفسي وحاولت أثبت على الكرسي من غير ما أتهز، ومسكت المنديل اللي غرقان من السائل في كفي المقفول. شريف قرب خطوتين، وعينيه لمعت تحت ضوء القمر الخافت اللي داخل من شباك الممر افتكرتك أذكى من كدة يا نورهان.. كنت فاكرك هتاخدي المرتب الخيالي وتقفلي عينك زي اللي قبلك.
رديت بهدوء مصطنع عشان أكسب وقت المرتب ميسواش إني أشوف طفلين بيتقتلوا بالبطء.. أنت بتعمل فيهم كدة ليه؟ طارق مأمنك على بيته وبيدفعلك ملايين!
ضحك بصوت واطي ومكتوم، مليان حقد وغرور طارق؟ طارق فاكر إن الفلوس تشتري كل حاجة.. تشتري المستشفيات، والشركات، وتشتري أختي فريدة اللي ماتت بسببه وبسبب إهماله في الحادثة دي!
اتصدمت.. شريف مش مجرد دكتور العيلة، ده خال الولاد وأخو مراته المتوفية. كمل بفحيح زي التعبان فريدة كانت بتملك نص الشركات دي بالورث، وبموتها طارق وصى على كل مليم لحد ما التوأم يتموا السن القانوني. لو الولاد دول راحوا لأمهم.. كل إمبراطورية السيوفي هترجع لحضني أنا، الوريث الشرعي الوحيد لعيلة فريدة. والجميل في الموضوع؟ طارق هو اللي بيدفع تمن السم وتمن أجهزتي بإيده وهو فاكر إنه بيعالجهم.
رفع المسدس لمستوى راسي وقال شكراً على مجهودك.. بس الليلة دي هتتكتبي انتحار بعد ما فشلتي في أول يوم شغل.
وقبل ما صباعه يضغط على الزناد، صوت جهوري من وراه هز جدران الممر شريف!
طارق كان واقف في أول الممر، وشه شاحب زي الأموات، وجنبه الست سعاد بتبكي بحرقة وفي إيدها موبايل مفتوح على خط التسجيل. طارق كان سامع كل كلمة من أولها لآخرها من جهاز اللاسلكي الداخلي للقصر اللي سعاد فتحته أول ما شافت شريف طالع السلم بسلاحه.
شريف اتوتر ولف المسدس بسرعة ناحية طارق طارق.. متقربش! أنت دمرت أختي ومش هسيبك تاخد حقنا!
استغليت جزء من الثانية اللي تشتت فيه، ونطيت من على الكرسي وحدفت المنديل المبلول بالمادة الكيميائية الكاوية في وش شريف وعينيه مباشرة. شريف صرخ برعب وألم وهو بيفرك في عينيه، والسلاح وقع من إيده على الأرض الرخام وعمل صوت رنين عالي. في نفس اللحظة، طارق هجم عليه بكل غضبه وجره على الأرض وهو فاقد السيطرة تماماً على أعصابه، لحد ما أمن القصر اقتحموا الدور التاني وسيطروا على شريف وكلبشوه.
الفوضى ملت المكان، والبوليس والإسعاف وصلوا في دقايق.
فريق السموم فكك الجهاز المخفي في التكييف وصادر العينات، وتم نقل يوسف وعمر فوراً لمستشفى متخصصة تحت حراسة مشددة. بعد أسبوعين من العلاج المكثف وغسيل السموم من دمهم، بدأت ملامح التوأم تتغير؛ الشحوب اختفى، والضحكة رجعت تنور وشهم لأول مرة من شهور طويلة.
في آخر يوم ليا بعد ما اطمنت إن الولاد بقوا بيجروا في الجنينة وبكامل عافيتهم، وقفت في مكتب طارق عشان أستأذن وأمشي. طارق بصلي بامتنان حقيقي، ودموعه كانت محبوسة لأول مرة أشوفها في عين رجل الأعمال الحديدي، وقال أنتِ مش بس مربية.. أنتِ اللي رجعتيلي روحي وولادي.
ابتسمت وقولتله السر دايماً في التفاصيل العادية يا فندم.. المهم نفتح عينينا ونشوف.

تم نسخ الرابط