المربية المخلصة
ملياردير عنده 40 سنة صرف أكتر من تلاتة مليون دولار عشان يعرف ليه ولاده التوأم صحتهم بتدهور وبيضعفوا يوم ورا يوم، وكل دكتور واستشاري يدخل قصره يخرج بنظرية جديدة ومن غير أي حل. لحد ما وصلت أنا، مربيتهم الجديدة، واتعرضت لسخرية دكتوره الخاص المغرور، ولمحت حاجة برة أوض الولاد خلتني أشك إن اللغز كله وحله كان جوه القصر الفخم ده من البداية.
اسمي نورهان سالم.
في سني ال 34، وصلت قصر طارق السيوفي ومعايا شنطة هدوم واحدة ورعشة توتر خلت إيديا تلج.
البوابات الضخمة فتحت على مكان شبه منتجع سياحي خاص أكتر من إنه يكون بيت عائلة. رخام، إزاز، جناين متنسقة على الشعرة، وكاميرات مراقبة في كل ركن. الجاكت البسيط بتاعي فجأة حسيت إنه باين وشاذ جداً وسط كل الفخامة دي.
كل الناس كانت عارفة سمعة طارق السيوفي؛ في العلن هو مستثمر وملياردير عنده أربعين سنة، صاحب سلاسل مطاعم وشركات عقارات واستثمارات ضخمة. وفي الكواليس، الناس كانت بتهمس إن نفوذه واصل لمجالات وتجارات تانية كتير محدش يتخيلها أصلاً.
مكتب تشغيل المربيات كلمني قبلها بأقل من أربعة وعشرين ساعة وظيفة بإقامة كاملة، ولدين توأم عندهم سبع سنين، مشاكل طبية مش مفهومة، ومرتب خيالي.
الست سعاد، مديرة القصر، دخلتني مكتب طارق. التقارير الطبية والتحاليل كانت مغطية المكتب كله، وطارق نفسه مكنش شبه الصور المثالية اللي بتنزل له في المجلات.. كان باين عليه الإرهاق التام.
سألني اشتغلتي قبل كده مع أطفال حالاتهم الطبية معقدة؟
رديت لمدة تمن سنين.
وإيه اللي يخليكي مختلفة عن باقي المربيات؟
أنا بركز في الحاجات العادية.
رفع حاجبه وقال وضحي أكتر.
الوجبات، مواعيد وطريقة النوم، المنظفات، الروتين اليومي.. وإيه اللي بيتغير لما الأعراض تزيد أو تقل. الدكاترة الاستشاريين بيشوفوا الأطفال في ميعاد كشف مدته دقايق، لكن المربية بتشوف يومهم كله بكل تفاصيله.
لأول مرة، حسيت إن طارق انتبه وبدأ يهتم بكلامي، وزق ملف طبي في اتجاهي وقال ولادي، يوسف وعمر، حالتهم بتسوء وبيضعفوا بقالهم حوالي تمانتاشر شهر.
السجلات الطبية كانت مليانة إرهاق مستمر، وجع متكرر مش مفهوم سببه، قلة تركيز، فقدان شهية، وخسارة وزن ملحوظة.
طارق اتكلم بصوت واطي كانوا زمان بيجروا ورا بعض ويتسابقوا في القصر ده.. دلوقتي فيه أيام مبيقدروش حتى ينزلوا السلم من كتر التعب.
كام دكتور واستشاري شافهم؟
أكتر من اللي أقدر أعدهم.. في أحسن مستشفيات ومراكز طبية، ودفعت أكتر من تلاتة مليون دولار.
ومن غير أي تشخيص واضح؟
ولا أي حاجة.
بصيت في الملف وسألته ووالدتهم؟
ملامح وشه اتقفلت فجأة واتحولت لجمود فريدة اتوفت في حادثة عربية من أربع سنين.
البقاء لله.. أنا آسفة.
الولاد بدأوا يتعبوا بعد وفاتها.
وقبل ما ألحق أسأل أي حاجة تانية، باب المكتب اتفتح ودخل راجل شعره أبيض من غير ما يخبط حتى دكتور شريف راغب.
عينه نزلت عليا وسأل مين دي؟
طارق رد نورهان سالم.. مرشحة لوظيفة المربية.
دكتور شريف ضحك بسخرية وقال أنت بتعين جليسة أطفال تانية؟
صلحت له بهدوء مربية.. مش مجرد جليسة.
ابتسامته زادت تعالي واستحقار الولاد دول محتاجين رعاية طبية وخبرة دكاترة، مش مساعدة منزلية تقعد تلعب دور المحقق.
قلتله أنا موافقة على كلامك.
الرد فاجأه، فقال يعني إحنا متفاهمين أهو.
مش أوي كدة.. حضرتك بتعالجهم بقالك قد إيه؟
عينيه ضاقت وقال حوالي حداشر شهر.
وقدرت تحدد السبب الحقيقي للمرض؟
سكت تماماً ومردش، وطارق رجع ضهره لورا على الكرسي وبيراقب الموقف باهتمام.
ملامح دكتور شريف اتشنجت وقال من الأفضل إنك تلتزمي بحدود مؤهلاتك.
رديت وده اللي ناويه أعمله بالظبط.. ومؤهلي هو إني ألاحظ اللي بيحصل لما الدكاترة مبيكونوش موجودين.
طارق بص لنا إحنا الاتنين، وبعدها وقف وقال هي اتقبلت في الشغل خلاص.
دكتور شريف بصله بذهول يا طارق، ده جنان وكلام فارغ!
أنا مكنتش باخد رأيك أو موافقتك.
الدكتور لم ورقه ومشي وهو شايط من الغيظ.
طارق بصلي وسأل أنتِ بتحبي تستفزي الناس؟
لا.. بس مبخلطش بين الغرور والخبرة الحقيقية.
الجملة دي خلته يبتسم نص ابتسامة خفيفة، وبعدها أخدني وطلعنا للدور اللي فوق.
أوض يوسف وعمر كانوا جنب بعض في آخر ممر طويل. وقبل ما طارق يفتح باب أول أوضة، وقفت فجأة في مكاني.
كان فيه ريحة.. خفيفة جداً، ومسكرة، شبه ريحة الورد بس فيها نغزة كيميائية وصناعية واضحة تحتها.
سألته إيه الريحة دي؟
طارق عقد حواجبه ريحة إيه؟
الريحة اللي هنا.
أخد نفس عميق وقال أنا مش شامم أي حاجة.
قربت من فتحة تهوية ديكورية متثبتة بين أوضتين الولاد، والريحة هناك كانت أقوى بكتير.
سألته فتحات التكييف والتهوية دي اتكشف عليها واتنظفت إمتى آخر مرة؟
ملامح طارق اتغيرت مش عارف.
مين المسؤول عن التحكم فيها؟
السيستم بتاع القصر كله أوتوماتيك.
مش ده اللي أنا بسأل عليه.
بصلي بتركيز واستغراب، وفي اللحظة دي، ومن ورانا في الممر، الست سعاد وقعت فجأة كومة الفوط اللي كانت شايلاها على الأرض.
لفت وبصيت عليها؛ كانت بتبص لفتحة التهوية برعب حقيقي مالى عينيها، ونظرة الخوف اللي في وشها أكدتلي إن فيه حد جوه القصر ده عارف بالظبط إيه اللي أنا لسه شَمّاه ولاحظته حالا.
سعاد وطت بسرعة تلم الفوط من الأرض، وإيديها كانت بتترعش بشكل مفضوح وهي بتتمتم باعتذارات متلخبطة وتتحجج إن رجلها التوت. عينيها كانت بتهرب من عيني، وفي ثواني اختفت في آخر الممر كأنها بتهرب من مسرح جريمة.
بصيت لطارق وطلبت منه يفتح الباب بهدوء. دخلنا أوضة يوسف وعمر، والمنظر جوة وجع قلبي؛ طفلين شبه الملايكة، ملامحهم باهتة لدرجة إن عروق وشهم الزرقا كانت باينة بوضوح، نايمين في سرايرهم وسط هدوء ميت ومفيش في حركتهم أي