جوزى حبسنى فى البيت
تحكي الحقيقة لاثنتين من أقرب صاحباتها.
كانت متوقعة أسئلة محرجة...
لكنها لقت مساعدة حقيقية.
واحدة فيهم قسمت مواعيدها عشان تروح معاها زيارات الدكتور.
والتانية ساعدتها ترجع لمشروعات تصميم الحدائق اللي كانت سابتها بسبب الخوف والإرهاق.
وبالتدريج...
مريم رجعت تشتغل.
وكل ما كانت تصمم حديقة جديدة، كانت تفتكر إن حتى النبتة المتضررة ممكن ترجع تنمو...
لما الضغط يتشال من على جذورها.
أما الحاجة سعاد...
فرفضت تعترف بأي مسؤولية.
باعت جزء من دهبها عشان تدفع أتعاب المحامين.
وبطلت تروح تجمعاتها مع صاحباتها.
وقعدت مقفولة على نفسها في شقتها.
كانت بتكلم مريم من أرقام غريبة، وتسيب لها رسايل صوتية فيها شتيمة وعياط وتوسل في نفس الوقت.
مريم ما ردتش عليها ولا مرة.
وفي الشتا...
انتقلت مريم تعيش بشكل نهائي في بيت الفيوم.
أمها، الحاجة نادية، فضلت معاها في الشهور الأخيرة من الحمل.
وأبوها صلح السقف بمساعدة اتنين من زمايله القدام.
أما التراس القديم...
فاتحول لمكان بسيط وجميل مليان زرع.
من غير الأوضة الضخمة اللي كانت الحاجة سعاد مخططة تبنيها لنفسها.
رجعت مريم صور العيلة.
والمفارش المطرزة.
وتماثيل الملائكة الصغيرة المصنوعة من السيراميك.
وحطت كل حاجة في مكانها من جديد.
وفي يوم...
وهي بترتب سرير البيبي...
موبايلها رن.
كان كريم.
قال بصوت مبحوح
أمي في المستشفى.
جالها جلطة.
وبتسأل عليكي.
مريم كانت هتقفل المكالمة.
ماكانش عندها أي رغبة تشوف الست اللي حاولت تطردها من حياتها وبيتها.
لكن في الليلة دي...
فهمت إن زيارة الحاجة سعاد مش معناها إنها تديها السيطرة تاني.
هي تقدر تدخل المستشفى بإرادتها...
وتخرج بإرادتها.
تاني يوم...
راحت المستشفى ومعاها أبوها، اللي استناها بره الأوضة.
كانت الحاجة سعاد على السرير...
وشها شاحب.
شكلها كبر سنين.
ونص وشها ماكانش بيتحرك.
أول ما شافت مريم...
بدأت تعيط.
حاولت تتكلم كذا مرة.
وفي الآخر قدرت تنطق كلمتين بصعوبة
أنا آسفة.
قعدت مريم جنبها وقالت
أنا مش عارفة إنتِ ندمانة على اللي عملتيه...
ولا ندمانة عشان خسرتي ابنك بالشكل اللي كنتِ تعرفيه بيه.
لكن أنا مش هشيل كرهك جوايا أكتر من كده.
الحاجة سعاد مسكت صوابعها بضعف.
كملت مريم
أنا مسامحاكي.
لكن ده مش معناه إن اللي حصل اتمسح.
ومش معناه إنك هترجعي تدخلي حياتي.
ده معناه بس إنك مش هتفضلي عايشة جوا دماغي.
فضلت مريم معاها ساعة كاملة.
ولما خرجت من المستشفى...
حست براحة عمرها ما توقعتها.
بعد أسبوع...
الحاجة سعاد ماتت.
في العزا...
كان كريم شكله أصغر وأضعف، وفي نفس الوقت كأنه كبر عشر سنين مرة واحدة.
قرب من مريم من غير ما يدخل في مساحتها.
وقال
شكرًا إنك رحتي لها.
ردت مريم
أنا عملت كده عشاني أنا.
هز كريم راسه وسألها
البيبي ولد ولا بنت؟
بنت.
سكت لحظة وبعدين قال
هتسمحيلي أعرفها؟
مريم أخدت كام ثانية قبل ما ترد.
وبعدين قالت
تقدر تبقى أبوها...
لو اتعلمت إن الحب مش معناه التملك.
أول مرة تحاول تستخدم بنتك عشان تقرب مني أو تتحكم فيا...
كل حاجة هتنتهي.
رد كريم بهدوء
فاهم.
وفي شهر أبريل...
ولدت مريم بنتها، وسمتها ليلى.
كريم شافها لأول مرة في وجود المحامية ووالد ووالدة مريم.
وأول ما شال بنته...
بدأ يعيط.
ماطلبش من مريم ترجعله.
وما اتكلمش عن بداية جديدة.
فضل بس باصص لبنته...
ووعدها إنه عمره ما هيخلط بين الطاعة والحب.
خلال الشهور اللي بعد كده...
التزم كريم بدفع النفقة.
وكمل علاجه النفسي.
واحترم كل الحدود اللي مريم حطتها.
الزيارات بدأت تحت إشراف.
ومع الوقت...
بقت طبيعية أكتر.
مريم ما نسيتش اللي حصل.
وما رجعتش تثق فيه زي زمان.
لكنها قدرت تعترف إنه لأول مرة بدأ يتحمل مسؤولية أفعاله بجد.
لما ليلى كملت ست شهور...
جه كريم ومعاه باقة زهور وملف أوراق.
قال لها
بعت شقة أمي.
وبعد ما دفعت ديونها، فضل مبلغ من الفلوس.
أنا عايز أعمل حساب استثماري باسم ليلى.
وكمان أكمل لكِ باقي الفلوس اللي أخدتها من مدخراتك.
ردت مريم بجدية
إنت ما تقدرش تشتري الغفران.
قال
عارف.
أنا مش بحاول أشتريه.
أنا بس بسدد دين عليا.
مريم ما وافقتش فورًا.
خدت الأوراق للمحامية ليلى عشان تراجعها.
وبعد ما اتأكدت إن كل حاجة قانونية...
وافقت.
وكل المبلغ اتحط باسم الطفلة.
وفي الصيف...
البيت رجع يتملي بالحياة.
كانت ليلى نايمة في عربيتها الصغيرة تحت ظل شجرة.
والحاجة نادية بتحضر القهوة.
واللواء عبد الحميد بيصلح لمبة في التراس.
وكريم كان هييجي بعد شوية يقضي كام ساعة مع بنته.
ماكانوش العيلة اللي مريم تخيلتها يوم فرحها.
كانوا حاجة أصعب...
لكن أصدق.
ناس بتجمعهم طفلة.
وتفصل بينهم حدود واضحة.
وكل واحد فيهم مضطر يعيش مع نتيجة قراراته.
وقفت مريم تبص على التراس.
وعلى الزرع.
وعلى الباب الجديد...
اللي بقى يتفتح من جوه، من غير ما تحتاج تطلب الإذن من أي حد.
كانت اتعلمت إن التسامح مش معناه الرجوع.
وإن وضع الحدود مش بيدمر العيلة.
وإن مفيش عادة...
ولا جواز...
ولا صلة دم...
تبرر إن الحب يتحول لطاعة وخضوع.
الليلة اللي كريم قفل عليها فيها...
كان فاكر إنه سابها من غير طريق للخروج.
لكن في الحقيقة...
هو قفل للأبد باب الحياة اللي كانت مريم بتقبل فيها تختفي وتسكت عشان تحافظ على السلام.
ولما مريم لقت التليفون السري...
هي ما طلبتش النجدة وبس.
هي استردت صوتها.
تمت.