مراتى حالها زهايمر
الجزء الأول
من سبع سنين، مراتي فقدت ذاكرتها بالكامل. أخدتها أنا وابني لدكتور مخ وأعصاب جديد، على أمل يكون عنده أي أمل يرجّعها لحياتها الطبيعية.
وأثناء ما ابني خرج يرد على مكالمة...
الدكتور قرّب مني، وبص حواليه يتأكد إن محدش سامع، وهمس في ودني
ابعد مراتك عن ابنك... في أسرع وقت.
اتجمد الدم في عروقي.
وقبل ما ألحق أسأله يقصد إيه...
الباب اتفتح.
ابني رجع، وفي إيده الترمس الأحمر اللي كان بيشرب منه أمه كل يوم...
وساعتها حسيت إن حياتي كلها كانت كذبة.
لمدة سبع سنين كاملة...
كان حسام الشرقاوي مؤمن إن مراته منى راحت منه وهي لسه عايشة.
كانت بتتنفس...
بتفتح عينيها كل صباح...
وبتبلع الأكل لما حد يحطه في بوقها...
لكنها عمرها ما نطقت اسمها.
ولا افتكرت بيتها.
ولا عرفت جوزها.
ولا حتى كانت بتبص لابنها بأي نظرة فيها معرفة.
كأن الروح اللي كانت جواها اختفت، وسابت جسمها بس.
كل حاجة بدأت في ليلة شتا.
حسام كان شغال في أوضة المكتب لما سمع صوت خبطة جامدة جاية من السلم.
جرى بسرعة...
ولقى منى واقعة تحت السلم.
رأسها كلها دم.
وعينيها مفتوحين، لكن نظراتها تايهة، كأنها مش شايفاه.
اتنقلت للمستشفى في حالة خطيرة.
وبعد أيام من الفحوصات...
الدكاترة قالوله إن إصابة المخ سببت تلف عصبي شديد، وإن فقدان الذاكرة غالبًا هيكون دائم.
من اليوم ده...
حسام ساب إدارة شركة المقاولات الكبيرة اللي بناها بتعب أكتر من أربعين سنة.
وسلّم كل الشغل لابنه الوحيد كريم.
وقال لنفسه
الشركة تتعوض... لكن مراتي لأ.
ومن ساعتها، بقت حياته كلها حوالين منى.
أما كريم...
فكان في نظر أي حد الابن المثالي.
هو اللي كان بيدفع فلوس الممرضات.
وهو اللي بيجيب أغلى الأدوية.
وكل يوم لازم يدخل يقعد مع أمه.
وكان دايمًا معاه ترمس أحمر.
يطلع منه مشروب غامق، ويساعدها تشربه بنفسه.
ولما أبوه سأله مرة
إيه اللي في الترمس ده؟
ابتسم وقال
خلطة أعشاب أوروبية مستوردة... بتقلل الرعشة وبتساعد المخ يهدى.
وحسام...
ما شكش فيه لحظة.
لحد اليوم اللي أخد فيه منى لدكتور مخ وأعصاب جديد اسمه الدكتور شريف عبدالعزيز.
الدكتور طلب تحاليل وأشعات أشمل من أي حاجة اتعملت قبل كده.
وبعد ما النتائج ظهرت...
فضل ساكت قدام شاشة الكمبيوتر كذا دقيقة.
وكل ما يقرأ...
وشه كان بيتغير.
في اللحظة دي...
رن موبايل كريم.
استأذن وخرج يرد على المكالمة برا العيادة.
أول ما الباب اتقفل...
الدكتور قام من مكانه، وقرب من حسام.
وقال بصوت واطي جدًا
يا أستاذ حسام... اسمعني من غير ما تبين أي رد فعل.
حسام حس بقلبه بيخبط بعنف.
خير يا دكتور؟
الدكتور بص ناحية الباب، واتأكد إن محدش واقف.
وبعدين قال
التحاليل بتقول إن جسم مراتك فيه نسب من معادن ثقيلة، وكمان بقايا أدوية مضادة للذهان... والأدوية دي مش مكتوبة نهائي في ملفها الطبي.
حسام حس إن الأرض بتميل تحت رجليه.
وقال بصعوبة
يعني إيه الكلام ده؟
رد الدكتور وهو ثابت في مكانه
يعني في حد بيديها مواد بتخليها طول الوقت في حالة خمول وتغييب.
وسكت لحظة...
وبعدين قال أخطر جملة سمعها حسام في حياته
خد مراتك من البيت... وابعدها عن ابنك فورًا.
قبل ما حسام يستوعب اللي سمعه...
الباب اتفتح.
رجع كريم وهو بيبتسم...
وفي إيده الترمس الأحمر.
وقال بكل هدوء
جه معاد مشروب ماما.
وقف حسام يبص على ابنه وهو بيقرب الترمس من شفايف منى.
وفجأة...
لاحظ حاجة عمره ما خد باله منها.
منى...
رجعت برأسها للخلف سنة صغيرة جدًا.
حركة بسيطة.
ضعيفة.
لكنها كانت واضحة.
كأنها...
خايفة من اللي هتشربه.
وأثناء ما كريم بيسقيها...
نقطة من السائل وقعت على إيد حسام.
بعد ثواني...
حس بحرقان شديد في جلده.
بص للسائل...
وبعدين بص لابنه.
كريم سأله بهدوء
مالك يا بابا؟ في حاجة؟
ابتسم حسام بالعافية وقال
لا... شكلي مرهق بس.
في طريق الرجوع للبيت...
حاول يسأله تاني عن مكونات المشروب.
لكن كريم ما ردش.
بدلًا منه...
ردت مراته دينا، اللي كانت قاعدة في العربية.
قالت بثقة
ده علاج أوروبي غالي جدًا... وكريم بيصحى كل يوم الساعة خمسة الفجر علشان يحضره بإيده. المفروض تشكره على اللي بيعمله.
هز حسام رأسه وقال باعتذار
معاكم حق.
لكن وهو باصص في مراية العربية...
لاحظ إن إيدين كريم ماسكين الدركسيون بقوة غريبة.
وصوابعه كلها بيضا من شدة الضغط.
ليلتها...
حسام استنى لحد ما كل اللي في البيت ناموا.
ومن آخر الطرقة...
شاف كريم وهو بيحط الترمس الأحمر في تلاجة صغيرة لوحدها.
وبعدين...
قفلها بقفل حديد صغير.
في اللحظة دي...
حسام فهم إن اللي جوه الترمس مش مجرد علاج.
اللي بيتقفل عليه بالقفل...
بيبقى سر.
الساعة اتنين بعد نص الليل...
خرج حسام من أوضته.
كان معاه كشاف صغير...
وبرطمان زجاج...
وشوية أدوات قديمة كان بيستخدمها زمان في فتح أقفال صناديق مواقع البناء.
هو بنفسه اللي صمم البيت ده.
وكان حافظ كل بلاطة فيه...
ويعرف يمشي فين من غير ما الأرض تعمل صوت.
وصل للتلاجة.
وفتح القفل بهدوء.
فتح الترمس.
وملأ البرطمان بعينة من السائل.
بعدها...
فضّى باقي المشروب كله في الحوض.
وغسل الترمس كويس جدًا.
وبعدين...
ملاه مية عادية.
وحط فيها كام نقطة لون غامق علشان يدي نفس الشكل.
وقبل ما يقفل كل حاجة...
سمع صوت خطوات.
اتجمد مكانه.
وجري استخبى جوه البانتري.
بعد ثواني...
دخلت دينا المطبخ.
كانت لابسة روب حرير.
شربت كباية مية.
وبعدين وقفت تبص للحوض كأنها لاحظت حاجة.
وفجأة...
لفت وشها ناحية باب البانترى...
وبدأت تمشي ناحيته ببطء.
أما حسام...
فكان حابس نفسه...
ومستني يعرف إذا كانت هتكتشف وجوده... ولا لسه الكابوس الحقيقي لسه هيبدأ.
وقفت دينا قدام باب البانتري، وماكانش بينها وبين حسام غير سنتيمترات قليلة.
وفجأة...
موبايلها اهتز.
بصت في الشاشة، قرت الرسالة بسرعة، وطفت نور المطبخ ورجعت أوضتها.
حسام فضل ثابت مكانه ثواني، لحد ما اتأكد إنها مشيت فعلًا.
طلع من مخبأه وهو بياخد نفسه بصعوبة، ومسِك البرطمان اللي فيه العينة بإيده كأنه ماسك دليل ممكن يغيّر حياته كلها.
في صباح اليوم التالي...
كريم حضّر