ابنى كل ما يرجع من عند جدته
كل مرة كنا نروح نزور حماتي، ابني كان يعيط قبل ما ننزل من البيت، ويمسك في هدومي ويقولي يا ماما... بالله عليكي، ماتخليش تيته تيجي معانا.
وجوزي كان كل مرة يرد بثقة أمي اشتغلت أكتر من تلاتين سنة في صيدلية، يعني فاهمة في الأدوية أكتر من أي دكتور. سيبيها تعرف مصلحة الولد.
فضلت ساكتة... لحد الليلة اللي صحينا فيها على عربية إسعاف، وبعد ساعات في الطوارئ، الدكتور خرج من المعمل وقال جملة قلبت حياتنا كلها
في جسم ابنكم مادة... مستحيل تكون موجودة في جسم طفل عنده خمس سنين.
الجزء الأول
لو تيتة حاولت تديك الدوا تاني... مهما قالت لك، ما تفتحش بقك.
عمرها ما كانت تتخيل إنها هتقول الجملة دي لابنها اللي عنده خمس سنين.
اسمها ندى.
كانت عايشة مع جوزها أحمد وابنهم يوسف في شقة متواضعة بمدينة السادس من أكتوبر.
ندى كانت شغالة بنظام نصف يوم في مكتبة عامة تابعة للحي، وأحمد كان مهندس في شركة لتصنيع قطع غيار السيارات.
من بره، أي حد يشوفهم يقول دي أسرة مستقرة.
مواعيدهم منتظمة.
بياكلوا سوا كل يوم.
وخناقاتهم قليلة جدًا.
لكن المشكلة كان ليها اسم واحد...
حماتها... أم أحمد.
اسمها الحاجة فاطمة.
الحاجة فاطمة اشتغلت أكتر من تلاتين سنة في صيدلية، وكانت شايفة إن الخبرة دي تخلي كلامها فوق أي نقاش.
أي حد يعترض عليها، كانت تعتبره جاهل.
في يوم وهي بتجهز عشان يروحوا يزوروها، أحمد نادى على ابنه
يلا يا يوسف... تيته مستنيانا.
الولد هز راسه بسرعة.
لا... أنا مش عايز أروح.
في الأول، ندى افتكرت إنه دلع أطفال.
لكن بعد كام يوم، وهي بتحاول تنيمه، لقيته بيهمس بصوت خايف
يا ماما...
نعم يا حبيبي؟
تيته بتديني دوا.
ندى اتجمدت مكانها.
دوا؟
طعمه وحش أوي.
حست بقشعريرة سرت في جسمها.
هي كانت تعرف موضوع الزجاجة دي.
الحاجة فاطمة كانت دايمًا تحتفظ بزجاجة غامقة، من غير أي استيكر أو اسم.
وكل ما حد يسألها تقول
ده شربات أعشاب طبيعي... بيفتح النفس ويخلي الطفل ياكل.
وتضيف بثقة
فيه شيح وأعشاب طبيعية... مفيهوش أي ضرر.
مرة قبل كده، ندى دوقت نقطة صغيرة منه.
لكن الطعم ماكانش طعم أعشاب.
كان فيه مرارة غريبة...
كأنه دواء متطحن ومذاب.
الأحد اللي بعده، قررت ندى تراقب بنفسها.
بعد الغدا...
كانوا أكلوا فراخ ورز.
الحاجة فاطمة قامت من على السفرة، ومسكت يوسف من إيده.
وقالت بابتسامة
يلا يا بطل... معاد الفيتامين.
ندى قامت وراهم بهدوء.
دخلت أوضة الضيوف.
شافت حماتها وهي بتطلع الزجاجة الغامقة.
فتحتها.
وملت معلقة بسائل بني غامق.
وقربتها من يوسف.
الولد رجع لورا بسرعة.
لا يا تيته... مش عايز.
الحاجة فاطمة عقدت وشها.
بطل دلع... افتح بقك.
يوسف بص ناحية الباب وهو بيقول بصوت مرتعش
ماما...
في اللحظة دي...
ندى دخلت الأوضة.
وقالت بهدوء وهي باصة على المعلقة
هو إيه بالضبط اللي في الشربات ده؟
الحاجة فاطمة رفعت عينها ناحيتها.
ما أنا قلتلك قبل كده.
ندى ردت
أنا عايزة أعرف كل المكونات.
في اللحظة دي دخل أحمد.
ندى... بلاش نبدأ مشاكل.
ندى بصتله بصدمة.
ابنك بقاله شهور بيشتكي من وجع في بطنه.
الحاجة فاطمة ضحكت بسخرية.
ابنك رفيع عشان إنتي ماتعرفيش تغذيه... وأنا بحاول أساعده.
أحمد مد إيده، أخد الزجاجة من أمه، فتحها وشمها.
بعدها كشر وشه.
وقال
يا أمي... ليه الزجاجة من غير أي استيكر؟
الحاجة فاطمة ردت بمنتهى البساطة
عشان أنا اللي بعملها بإيدي.
ندى قالت برجاء
خلاص... بلاش تديله منها النهارده.
وش الحاجة فاطمة احمر من الغضب.
وقالت باستهزاء
بقى واحدة شغالة في مكتبة هتيجي تعلمني علم الأدوية؟
ندى بصت لأحمد...
كانت مستنية منه يدافع عنها.
لكنه سكت.
وسكوته وجعها أكتر من الإهانة نفسها.
رجعوا بيتهم من غير ما حد ينطق بكلمة.
تاني يوم الساعة سبعة الصبح...
يوسف صحى وهو ماسك بطنه.
كان بيقول إنها وجعاه.
لحد الساعة عشرة...
وشه بقى شاحب.
ندى نامته على السرير، وقالت يمكن بكرة يبقى أحسن، زي كل مرة.
لكن الساعة واحدة وسبعتاشر دقيقة بعد نص الليل...
صحيت على صوت غريب.
جريت على أوضته.
لقيت يوسف بيرجع بعنف.
وجسمه كله بيترعش.
ونفسه خارج بصعوبة.
صرخت بكل قوتها
أحمد... اتصل بالإسعاف بسرعة!
الولد كان بالعافية فاتح عينيه.
وفي قسم الطوارئ...
الأطباء ركبوله محلول بسرعة.
وبعد شوية...
دكتور شاب خرج من عنده، وبص لندى نظرة خلت قلبها يقع.
وقال بهدوء شديد
يا مدام... عايزك تركزي جدًا قبل ما تجاوبي.
ندى حست إن جسمها كله تلج.
قالت بصوت مرتعش
اتفضل.
سألها
ابنك بياخد أي أدوية بشكل منتظم؟ شربات... نقط... أي حاجة... حتى لو حد قال لكم إنها طبيعية؟
في اللحظة دي...
افتكرت الزجاجة الغامقة اللي كانت مع الحاجة فاطمة.
لكنها ماكنتش تعرف...
إن السؤال البسيط ده...
هيكون بداية انهيار الأسرة اللي كانت فاكرة إنها عايشة وسطها بقالها ست سنين.
الجزء الثاني
ندى حكت للدكتورة على كل حاجة.
حكتلها عن زيارات كل يوم أحد.
وعن زجاجة الشربات اللي من غير أي اسم أو استيكر.
وعن الترجيع.
وقلة الشهية.
والأهم من كل ده...
عن حاجة كانت شايفاها بقالها شهور، لكنها كانت بتحاول تقنع نفسها إنها مجرد صدفة.
يوسف كان كل مرة يتعب بعد ما يرجع من عند تيته.
وبعد كام يوم، حالته تتحسن لوحدها.
الدكتورة دينا بطلت كتابة في الملف، ورفعت عينيها ناحية ندى.
وقالت بجدية
من إمتى وهو بياخد الشربات ده؟
ندى هزت كتفها بحيرة.
مش متأكدة... يمكن من وهو عنده تلات سنين.
ملامح الدكتورة اتغيرت فجأة.
وقالت للممرضة
اعمليله فورًا تحليل سموم شامل.
الساعة كانت حوالي أربعة الفجر...
لما أحمد وصل المستشفى.
أول ما دخل سأل بلهفة
يوسف عامل إيه؟
ندى ردت ببرود
حالته مستقرة.
وبعدين بصتله وقالت
الدكتورة شاكّة إنه اتعرض لتأثير دواء.
أحمد فهم المقصود من أول كلمة.
وسألها
قولتيلها على شربات أمي؟
ندى بصتله باستغراب.
طبعًا قولتلها.
ندى...
قاطعته وهي بتتكلم لأول مرة بعصبية
ابننا دخل المستشفى وهو بيرجع وشبه فاقد الوعي... مش هخبّي الحقيقة عشان أحمي أمك.
أحمد ضغط على سنانه.
وقال
أمي عمرها ما تأذي يوسف.
ندى ردت من غير ما ترفع صوتها
بقالك شهور بتقول الجملة دي.
أمي اشتغلت أكتر من تلاتين سنة في الصيدلية.
ندى بصتله في عينيه وقالت
ويوسف عنده خمس سنين بس.
سكت.
لأول مرة...
الخبرة اللي كان دايمًا بيستخدمها عشان يدافع عن أمه، ما بقتش كفاية.
الساعة تمانية الصبح...
رجعت الدكتورة ومعاها أول نتائج التحاليل.
وقفت قدامهم وقالت
لقينا آثار دواء في جسم يوسف... الدواء ده ما ينفعش يكون موجود بالشكل ده في جسم طفل صغير.
ندى حسّت إن نفسها اتقطع.
وقالت بصوت مرتعش
إيه هو الدوا؟
الدكتورة ردت
لوبيراميد.
وش أحمد اصفر.
الدكتورة كملت شرحها
الدواء ده بيستخدم لتقليل حركة الأمعاء وعلاج بعض حالات الإسهال، لكن استخدامه لطفل في السن ده، خصوصًا لو بيتاخد بشكل متكرر ومن غير إشراف طبي، ممكن يسبب مضاعفات خطيرة.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
المهم دلوقتي إن يوسف بيستجيب للعلاج... لكن اللي قدامنا بيقول إن الموضوع مش جرعة واحدة بالصدفة.
أحمد هز راسه وهو مش مستوعب.
أكيد فيه غلطة.
ندى طلعت موبايلها من الشنطة، وناولتهوله.
وقالت
يبقى اتصل بأمك.
مسك الموبايل واتصل.
بعد كذا رنة...
الحاجة فاطمة ردت وهي لسه صوتها نعسان.
خير يا ابني؟
أحمد قال بسرعة
يوسف في المستشفى.
سكتت.
ما صرختش.
ما سألتش
ماله حفيدي؟
ولا حتى قالت
هو كويس؟
بس... سكتت.
ندى لاحظت السكوت ده.
وأحمد كمان.
قال لها
يا أمي... قوليلي حطيتي إيه في الشربات؟
ردت بنفس البرود
ما قلتلك... أعشاب.
قال
التحاليل لقت لوبيراميد في جسم يوسف.
وسكتت تاني.
المرة دي...
السكوت كان أطول.
أحمد ضغط على الموبايل.
يا أمي.
وأخيرًا ردت.
كانت كمية بسيطة أوي.
أحمد قفل عينيه.
ندى حست إن رجليها مش شايلينها.
قال أحمد بصدمة
إنتي قولتي إيه؟
ردت وكأنها بتتكلم في حاجة عادية
كنت بطحن حتة صغيرة جدًا من القرص... ماتكبرش الموضوع.
أحمد صرخ لأول مرة
بقالك قد إيه بتعملي كده؟
قالت بهدوء
أنا كنت عايزة يفتح نفسه على الأكل.
صرخ فيها تاني
بقالك قد إيه؟!
تنهدت وقالت
بقالي تقريبًا... سنتين.
ندى حطت إيدها على بقها.
سنتين...
سنتين وهي شايفة ابنها بيتلوى من وجع بطنه.
سنتين وهو بيترجاها ما يروحش عند جدته.
سنتين وهي صدقت