حماتى لما ولدت سابتنى

لمحة نيوز

​بعد ما الباب اتفلق، ما فضلش في الأوضة غيري أنا والبت.

حتة لحمة حمرا صغيرة جوه السرير، صوابعها المكبوسة متكومة.

مسكينة مش فاهمة إنها أول ما نزلت الدنيا، الناس قعدت توزِنها وتشوف قيمتها وتشوف هي تقيلة ولا خفيفة عليهم.

​مديت إيدي ولمست خدها:

"ملك."

​دي كانت أول مرة أنطق اسم دلعها اللي اخترته: "لوكا".

"بكرة أمك هي اللي هتكون لك الدنيا كلها."

​التليفون هز.

رسالة من مصطفى:

"أمي كبرت في السن وتعبانة، عدّيها ومعلش تعالى على نفسك."

​قعدت أبص للكلمات دي كتير أوي.

وبعدين قلبت التليفون على شاشته على الكمودينو.

ما رديتش.

​على المغرب كده، أمي زقت باب الأوضة ودخلت.

شعرها كان منكوش من السفر، وعينيها حمرا من التعب، وفي إيدها تذكرة القطر المطبقة اللي ما لحقتش ترميها.

​أول ما دخلت، بصت عليا أنا الأول.

"بنتي.. فيكِ وجع؟ متألمة يا ضنى؟"

​هي الجملة دي بس.

عيني كانت هتفرقع دموع.

حبستها بالعافية وقلت:

"أنا بخير يا أمي، الحمد لله."

​وبعدين راحت تبص على المولودة:

"يا حبيبتي يا بنت بنتي، بسم الله ما شاء الله زي القمر."

​غسلت إيدها، ووطت تبص عليها كتير أوي، وابتسمت لحد ما التجاعيد ظهرت جنب عينيها:

"شباهك وأنتِ صغيورة بالظبط."

​قلت لها:

"شيلتك تقيلة وتعبتك معايا يا أمي."

​رفعت رأسها وبصت لي حافي:

"كلام عبيط ده ولا إيه؟"

"أنتِ بنتي بتولدي، لو أنا ما جيتلكيش مين اللي يجيلك؟"

​وطيت رأسي، وإيديا مسكت في طرف الملاية بقوة.

​التليفون هز تاني.

مصطفى بعت رسالة زيادة:

"أمي ركبت القطر خلاص، وقالتلي أول ما يجي وقت السبوع والعقيقة هتيجي تبارك وتشوف البيبي."

​أنا قريت الجملة دي، وفجأة ضحكت بصوت.

السبوع.

أثاريها عارفة كويس أوي المناسبات اللي المفروض تظهر فيها وتلقط فيها الصور!

​ما رديتش على مصطفى.

أخدت "سكرين شوت" للرسالة وحفظتها عندي في الألبوم.

​02

​أول أسبوع في النفاس، أمي ما كانتش بتنام أكتر من أربع أو خمس ساعات في اليوم.

في الليل لما ملك تعيط، أمي هي أول واحدة تصحى وتفزع.

جرح القيصرية كان بيموتني، والقومة كانت بعذاب، كانت تسندني بالراحة خالص لحد ما أقعد.

​وفي المطبخ، كان دايماً فيه أكل سخن وشوربة.

شوربة فراخ بلدي، ومغلي حلبة، وسيميد، وشوربة خضار.

طبيخ بسيط، بس كل لقمة نازلة سخنة وبتدفي.

​مصطفى كان موجود في البيت.

بس المشغولات بتاعته كانت دايماً بتطلع بالصدفة في نفس اللحظة اللي البت بتعيط فيها.

أول ما ملك تصرخ، يحجب حواجبه وينفخ:

"هي بتعيط تاني ليه؟"

​أمي تشيلها وتهزها بالراحة:

"يا بني العيال الصغيرين كده، العياط ده صحة ليهم."

​مصطفى يبص في تليفونه بضيق:

"أنا ورايا شغل الصبح بدري، هو ينفع الليلة دي ما تخلهاش تعيط بصوت عالي كده؟"

​أنا كنت قاعدة على السرير، رفعت رأسي وبصيت له:

"خد حاجتك ونام في الصالة بره."

​اتصدم وقال:

"أنا مش قصدي حاجة!"

​قلت له:

"أومال قصدك إيه؟"

​ما عرفش يجمع كلمة.

في الفترة دي، أكتر كلمة كان بيقولها هي الكلمة دي: "مش قصدي حاجة".

بس كل حركة وكل تصرف منه كان مليان قصود ومعاني.

​يرجع من الشغل، أول حاجة يعملها مش إنه يطمن على بنته، لا.. يسأل الأكل جهز ولا لسه.

أمي تصدق تحط ملك في السرير وتتجه للمطبخ، فيقولها:

"يا حماتي، هو ينفع العشاء النهاردة تقللي فيه التوم شويه؟ أصل المعدة مش مظبوطة."

​أمي تبتسم بطيبة:

"من عينيا يا حبيبي."

​أنا بصيت له وقلت:

"ممكن تدخل تقف على البوتاجاز وتعمل ألك بنفسك."

​وش مصطفى اتخطف وتصلب:

"هو أنا مش خايف على تعب أمك وبقول كدا عشان ما تتعبش؟"

​رديت عليه:

"خايف على تعبها؟ يبقى ما تطلبش وأحمد ربنا على اللي يتحط قدامك."

​إيد أمي وهي بتغرف الأكل اتجمدت في الهواء.

مصطفى بصلي بعيون مليانة غيظ:

"ندى، أنتِ مالك بقيتي خلقك ضيق وعصبية كده ليه في النفاس؟"

​وطيت رأسي وأنا بشرب الشوربة:

"أنا طول عمري كده."

"بس زمان ما كنتش بتكلم عشان كنت بشتري خاطرك وباعمل لك اعتبار."

​ترابيزة الأكل سكتت سكتة موت.

الشوكة في إيد مصطفى وقفت في النص.

أمي وطت رأسها وتكمل غرف، ما دخلتش بيننا.

هي عارفة إن بنتها مش بتتكلم من فراغ ولا من قهر لحظي.

فيه فواتير قديمة، وأنا بس لسه ما بدأتش أجمعها!

​في اليوم العاشر من النفاس، الحاجة صفاء اتصلت فيديو.

كانت قاعدة في حوش البيت في البلد، ووراها الغسيل منشور على الحبال.

أول سؤال سألته ما كانش تطمين على صحتي، ولا سألت على البنت عاملة إيه.

سألت بفطاسة:

"هي البت خاسة ولا أنا بيتهيألي؟"

​أنا كنت شايلة ملك، ما نطقتش.

مصطفى اتخطف وأخد التليفون بسرعة:

"يا أمي، العيال في الأول كده بيردوا لورا."

​الحاجة صفاء ما عجبهاش الكلام:

"لما كنت ماسكة 'جنى' بنت شيماء، ما كملتش شهر وكانت ما شاء الله ملظاظة ومقلبظة."

"هي أم ندى مش عارفة تراعي العيل ولا إيه؟"

​أمي كانت بتقطع خضار في المطبخ.

صوت السكينة وهي بتخبط في بلانشة التقطيع وقف فجأة.

​أنا مديت إيدي:

"هات التليفون ده."

​مصطفى نزل صوته ووشوشني:

"أبوس إيدِك ما تعمليش مشكلة مع أمي."

​بصيت له بثبات:

"هات التليفون."

​تردد ثانيتين وبعدين إداني التليفون.

​في الفيديو، الحاجة صفاء كانت لسه بتكمل كلامها:

"أنا مش بتكلم، بس أهلك ملصمين الموضوع وما عندهمش خبرة..."

​بصيت في الشاشة وقلت لها كلمة واحدة:

"يا طنط، لو أنتِ خايفة عليها وقلقانة أوي كده، اتفضلي تعالي شيلسها وراعيها بنفسك."

​وش الحاجة صفاء جاب ألوان:

"هو أنا مش قلت لك إن صحتي ومش حمالة تعب؟"

​هزيت رأسي وقلت:

"تمام، يبقى تلمي إيدك وتوفري نصايحك."

​اتصدمت وقحفت.

ومصطفى اتنطط في مكانه.

​صوت الحاجة صفاء علي في التليفون:

"ندى! أنتِ بتكلمي حماتك بالكلام ده وبإسلوب ده؟"

​قلت لها بكل برود:

"بتكلم عادي جداً."

"أنتِ قاعدالي في البلد، ما شيلتيش العيلة مرة، ولا سهرتي بيها ليلة، ولا طبختي لها لقمة."

"مش عايزة تسبتي وجودك وتساعدي؟ براحتك خالص ومش جابرانكي."

"بس ما تقعديش في حوش بيتك وتنظري وتطلي بلاويكِ على أمي اللي شاييلاني وشايلاكي!"

تم نسخ الرابط