حماتى لما ولدت سابتنى

لمحة نيوز

حماتي فضلت قائمة على خدمة بنتها ورعاية طفلها على مدار ثلاث سنين كاملة، شقيانة ومكرسة كل جهدها وطاقتها من غير ما تتأوه أو تشتكي مر الشكوى في يوم.

​ولما جه الدور عليا وأنا بولد، وقبل حتى ما أفتح بوقي أو أطلب منها حاجة، حطت إيدها على وسطها واتنهدت وهي بتقول:

"يا لهوي، العمر كبر والصحة خلاص راحت ومش متحملة التعب."

​وفي نفس اليوم بعد الضهر، لمّت شنطتها ورجعت على بلدهم.

​أنا ما بكتش، ولا عملت هيصة وشوشرة، ولا جيبت سيرة الموضوع بكلمة واحدة.

​وطول فترة النفاس، أمي جتلي من أقصى الصعيد قطعَت سفر آلاف الكيلومترات عشان تشيلني وترعاني. ابتسمت لها وقلت:

"يا أمي، تعبتك معايا وركبتك المُر."

​وفي يوم العقيقة، حجزنا عشر ترابيزات في القاعة، وكلهُم كانوا من أهلي وقرايبي وأصحابي أنا بس.

​جوزي قعد يلف حوالين نفسه ويدور على أهله، وسألني باستغراب وحيرة:

"هي أمي فين؟ وأختي فين؟ هو ليه محدش من ناحيتي جه خالص كده؟"

​أخدت شوية أكل بالشوكة، وقلتله على أقل من مهلي:

"أصل أنا ما عزمتهمش."

​وشه اتغير في ساعتها والدم هرب منه.

​01

​اليوم اللي ولدت فيه بنتي، ما كانش واقف بره أوضة العمليات غير جوزي، "مصطفى".

​كان موطي رأسه يبص في التليفون، الشاشة تنور وتطفي.

​الممرضة خرجت وهي شايلة المولود، وقالت إن الأم والمولودة بخير وصحة وسلامة.

​مصطفى رفع رأسه بص بصة واحدة، والابتسامة كانت باهتة ومصنوعة على وشوه.

​"هي بنت؟"

​ابتسامة الممرضة اختفت شوية وقالتله بضيق:

"ومالها البنت؟ تلاتة كيلو وستمية جرام، وزي الفل وصحتها بومب."

​مصطفى قال بسرعة عشان يداري:

"أنا مش قصدي حاجة والله."

​أنا كنت نايمة على سرير المستشفى، مفعول البنج لسه ما راحش كله. لما سمعت الكلمة دي، حسيت كأن كبشة مية بتلج اتدلقت على قلبي.

​"مش قصده حاجة."

​بس أنا فاهمة كويس أوي "قصده" كان إيه.

​شعر خمسة وأنا حامل، حماتي، "الحاجة صفاء"، حطت إيدها على بطني وقالت:

"البطن بوزها مدبب كده، ده الولد ملفوف في بطنك يابنتي."

​ولما وصلت للشهر السابع، رجعت قالت:

"احنا عيلة الحاج ما ينقصناش غير حتة الولد اللي يشيل الاسم."

​ساعتها أنا ابتسمت وما رديتش.

​ومصطفى ابتسم هو كمان وقال:

"يا أمي، الولد زي البنت كله رزق ونعمة."

​الحاجة صفاء بصلته بنظرة غضب وقالت:

"الكلام السهل في اللسان، لما تتولد بجد هتعرف الفرق."

​وقتها، افتكرتها مجرد ست كبيرة بتحب الرغي والكلام الزايد.

وافتكرت إننا عيلة واحدة ومع الوقت القلوب هتحن ونتأقلم.

​ثاني يوم بعد الولادة، الحاجة صفاء جت المستشفى.

وما جتش لوحدها.

​أخت جوزي، "شيماء"، جت معاها. كانت شايلة في إيدها شنطة فاكهة، وأول ما قعدت بدأت تتأفأف وتشتكي من التعب:

"يا مرات أخويا، أنتِ ولدتي على غفلة كده ليه؟ أمي طول الليل ما عرفتش تنام من القلق."

​الحاجة صفاء حطت الشنطة على الترابيزة اللي جنب السرير، وما بصتش على البيبي في الأول، بل بصلتي أنا الأول.

عينيها سحبتني من وشي لحد أطراف الغطاء.

​"قامتي بالسلامة؟ الجرح عامل إيه؟"

​قلت لها:

"الحمد لله، ماشي الحال."

​رجعت سألت:

"اللبن نزل ولا لسه؟"

​قلت:

"لسه والله."

​شرّمت حواجبها وقالت:

"بنات اليومين دول صحتها على قدها، الولادة بقت حكاية وتعب ع الفاضي."

​أنا ما نطقتش.

​أمي، "الحاجة فاطمة"، كانت لسه راكبة القطر السريع وجاية في السكة.

مسافرة من بلدنا في الصعيد على بعد أكثر من ألف كيلومتر. أول ما جيلها التليفون، لمّت حاجتها ونزلت في نص الليل.

​اما الحاجة صفاء، فساكنة معانا في نفس المدينة، مشوار عربية عشرين دقيقة وتكون في المستشفى.

ومع ذلك، أول ما دخلت، كان وشها مرسوم عليه عدم الرضا والزهق.

​مصطفى كان واقف جنبهُم، كح بصوت واطي وقال:

"يا أمي، ندى لسه طالعة من الولادة وتعبانة."

​الحاجة صفاء توشوشت ونزلت صوتها:

"هو أنا قلت حاجة غلط يعني؟"

​شيماء قعدت على الكرسي وتقشر تفاحة، وفي نص القشرة ضحكت فجأة وقالت:

"يا مرات أخويا، شدّي حيلك وركزي في صحتك، تربية العيال بتهد الحيل."

​ولما خلصت جملتها، رفعت رأسها وبصلتي:

"أصل بنت أختي 'جنى' دي، أمي هي اللي شالتها وكبرتها من ألف إلى الياء."

​الكلمة دي قالتها بمنتهى التلقائية والتطبيل.

كأنها بتفكرني وتفوقني.

أو كأنها بترسم خطوط وحُدود بيننا.

​وهو أنا هنسى؟

​السنة اللي ولدت فيها شيماء، الحاجة صفاء لمّت عزيلها وعزلت راحت عاشت في بيتها.

من يوم ما البت اتولدت لحد ما دخلت الحضَانة.

تلات سنين بالتمام والكمال.

​حموم، وطبيخ، وصحيان في نص الليل عشان الرضعة، وتوصيل للصبح بدري.

الحاجة صفاء ما فتحتوش بوقها بكلمة شكوى ولا قالت آه.

بل كانت تلف على الناس وتتباهى:

"بنتي ولدت، لو أنا ما شيلتهاش مين يشيلها يعني؟"

​ولما كانت بتراعي بت شيماء، ما كانش يجيلها وجع ظهر، ولا رجليها توجعها، وكانت تقوم الساعة تلاتة الفجر تحضر البزَازة وهي ايديها على قلبها.

​ولما جه الدور عليا، ما كملتش عشر دقايق قاعدة على الكرسي، وبدأت تفرك وتخبط على ظهرها:

"يا لهوي، العمر كبر والصحة خلاص راحت ومش متحملة التعب."

​أنا بصيت لها.

وهي بصت لي.

​الأوضة سكتت تماماً لعدة ثواني.

 

 

 

​مصطفى كان موطي رأسه وبيلعب في التليفون.

​شيماء إدت حتة التفاحة اللي قشرتها للحاجة صفاء.

"يا أمي، ما تجهديش نفسك، صحتك بالدنيا."

​الحاجة صفاء أخدت التفاحة واتنهدت بأسى:

"أنا عينيا ليكم وعايزة أساعد، بس الظهر ده خلاص اتدمر ومش قادر."

​أنا اتكلمت وسألتها:

"يا طنط، أنتِ حابة ترجعي البيت ترتاحي؟"

​كأنها كانت مستنية الكلمة دي بفارغ الصبر.

"يا ندى، مش قصة إني مش عايزة أقف جنبك."

"أنتِ شايفاني وشايفة صحتي، مش حمالة تعب والله."

"وبعدين هي مش أمك زمانها على وصول؟"

"الأم لما تشيل بنتها في النفاس بتبقى أريح وأحن من أم الزوج أكيد."

​الكلام كان خارج من بوقها مرتب ومترصص.

مترصص كأنها مراجعاه وحافظاه صم.

​أنا ما جادلتش.

أنا بس هزيت رأسي وقلت:

"تمام."

​الحاجة صفاء اتفاجئت وذهلت.

يمكن كانت فاكرة إني هترجاها تقعد.

أو على الأقل هيبان عليا الزعل والكسرة.

بس أنا ما أظهرتش أي حاجة.

​ساعتها مصطفى رفع رأسه وقال:

"يا ندى، أمي فعلاً صحتها تعبانة، ما تحطيش في خاطرك ولا تفهمي غلط."

​بصيت له وقلت:

"وأنا هفهم إيه غلط يعني؟"

​مصطفى اتلخبط وما عرفش يرد.

​شيماء دخلت في الكلام تلطف الجو:

"يا مرات أخويا، أخويا بس خايف لتكوني زعلتي في سرك."

​قلت لها:

"لا، خالص."

​وفعلاً ما كانش فيه زعل.

في اللحظة دي بالذات، قلبي كان هادي جداً.

هادي لدرجة إن الغضب نفسه اتخرس.

​في حاجات كتير ما اتخلقتش النهاردة.

بس النهاردة بس، الصورة وضحت قدام عينيا كاملة.

​الساعة تلاتة العصر، سوستة شنطة الحاجة صفاء اتقفلت تاني.

وقفت جنب السرير وبدأت تملي عليا التعليمات:

"البت لسه صغيرة، ما تعوديهاش على الشيل طول الوقت."

"لو لبنك قليل، أديها لبن صناعي وسدي جوعها."

"وفترة النفاس دي عدّيها من غير دلع وقرف."

"كل الستات بتولد وبتعدي."

​أنا سمعت كل كلمة وكل حرف.

​قالت:

"أنا هسافر البلد أقعد كام يوم أريح زقمي."

​قلت لها:

"توصل بالسلامة."

​بصت لمصطفى وقالت:

"يا مصطفى، تعالى وصلني الموقف."

​مصطفى تردد:

"بس ندى..."

​وش الحاجة صفاء اتغير واكشرت:

"المستشفى مليانة ممرضات وأمها زمانها على الباب، أنا الست العجوزة هعمل إيه يعني لو قعدت؟"

​مصطفى بصلي.

كأنه مستني مني الإذن أو أتحايل عليه.

​غمضت عينيا وقلت:

"روح معاها."

​اتنفس الصعداء وقال:

"أوصل أمي وركّبها وأرجعلك على طول."

​ما رديتش عليه.

تم نسخ الرابط