قضيت 15 سنة في الغربة بغسل الحمامات ومسح السلالم عشان أبني فيلا لأهلي… ولما رجعت، المفتاح ما فتحش الباب. أمي قالتلي بكل برود: أوضة النوم الرئيسية بقت لأخوكي… أصل هو راجل وعنده عيلة، إنما إنتِ مالكيش غ
أسافر، كان عمي عايز يبيع الأرض عشان يسدد ديونه.
أمي ماكانش معاها مليم.
وأنا كنت لسه بادئة شغل، ومعايا أول تحويشة في حياتي.
اشتريت الأرض باسمي.
وقلت لأمي وقتها
خليها باسمك قدام الناس المهم نبني البيت.
مكنتش أعرف إن اليوم ده هييجي.
قفلت الظرف، ونمت كام ساعة.
تاني يوم صحيت بدري.
نزلت لقيت كريم قاعد على السفرة بيفطر.
أول ما شافني قال
لو نزلتي البلد شوفي وانتِ جاية هاتي لبن.
بصيتله في هدوء.
ولا رديت.
خرجت من البيت.
ركبت تاكسي على مكتب محامي معروف في الزقازيق.
حكيتله كل حاجة.
قعد يراجع الورق حوالي نص ساعة.
وبعدين رفع راسه وقال
أستاذة هبة الأرض دي لحد النهارده باسمك.
سألته وأنا مش مصدقة
والبيت؟
ابتسم وقال
البيت كله مبني على أرضك.
وده معناه قانونًا إن ملكيته ترجع لصاحب الأرض، إلا في حالات خاصة، ودي مش موجودة هنا.
حسيت إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.
لكن في نفس الوقت
دموعي نزلت.
مكنتش فرحانة.
كنت مكسورة.
عمري كله راح في بيت اتحرمت حتى أنام فيه.
المحامي قال
تحبي نرفع قضية؟
سكت شوية.
وبعدين قولت
لأ.
أنا هبيع.
استغرب.
متأكدة؟
هزيت راسي.
أنا مش عايزة بيت اتبنى على قلة الأصل.
بدأ يخلص الإجراءات بسرعة.
ولأن البيت في منطقة سعرها عالي، جه مستثمر شافه في نفس اليوم.
لف فيه نص ساعة.
وقال
أنا هشتري.
بعد أقل من يوم
كان البيع تم.
رجعت البيت بالليل.
لقيتهم قاعدين قدام التلفزيون، بيضحكوا وكأن مفيش حاجة حصلت.
أول ما دخلت
قال كريم
جبتي اللبن؟
بصيتله ثواني.
وبعدين مسكت الريموت وقفلت التلفزيون.
أمي اتضايقت.
خير يا هبة؟
طلعت ملف من شنطتي.
وحطيته قدامها.
إيه ده؟
قولت بمنتهى الهدوء
عقد بيع البيت.
ضحكت دنيا.
بيع إيه؟
كريم قال ساخرًا
هو إنتِ هتبيعيلنا الفيلا مثلًا؟
بصيت في عينه.
وقولت
أيوه.
بعتها.
اختفت الضحكة من على وشوشهم.
أمي فتحت الورق بإيد بترتعش.
ولما شافت اسمي في خانة المالك
وشها اصفر.
يعني إيه؟
قولت
يعني الأرض كانت باسمي.
والبيت كله قانونًا ملكي.
واتباع النهارده.
صرخت دنيا
إنتِ مجنونة؟
أما كريم فقام واقف وهو بيزعق
إحنا هنعيش فين؟
بصيت حواليّا
على النجفة اللي دفعت تمنها.
والرخام اللي اشتغلته سنة كاملة.
والكنب اللي حلمت أقعد عليه مع أمي.
وقولت بهدوء
معرفش.
دوروا على شقة.
أمي بدأت تعيط.
يا هبة إحنا أهلك.
ابتسمت لأول مرة.
بس كانت ابتسامة وجع.
فاكرة الكلام ده إمتى؟
لما طلبت أوضتي؟
ولا لما قولتي إن أخويا أولى عشان راجل؟
سكتت.
مقدرتش ترد.
دخلت شركة النقل بعدها بيومين.
وشالت العفش كله.
وبعد أسبوع
سلمت المفاتيح للمشتري الجديد.
وأنا خارجة من آخر مرة
بصيت للبيت.
ولا دمعة نزلت.
لأن الحقيقة
البيت عمره ما كان هو حلمي.
حلمي كان يبقى عندي عيلة.
بس للأسف
العيلة اللي ضحيت عشانها
باعتني قبل ما أنا أبيع البيت.
مرّت ستة شهور
استأجرت شقة صغيرة في مدينة تانية.
مش واسعة.
ولا فيها جنينة.
لكن أول مرة من سنين
كنت بقفل الباب وأنا حاسة بالأمان.
اشتريت كنبة بسيطة.
وترابيزة صغيرة.
وزرعت في البلكونة شوية ورد.
كل حاجة كانت متواضعة
لكنها كانت ملكي.
في المقابل
عرفت من قرايبنا إن أمي وكريم دخلوا في مشاكل كبيرة.
المشتري الجديد كان عايز يستلم البيت في المعاد المتفق عليه، وبعد مفاوضات طويلة اضطروا يسيبوه ويدوروا على مكان تاني.
كريم حاول يكلمني أكتر من مرة.
كل مرة كان رقمي يرن
وأقف أبص للشاشة شوية
وبعدين أقفل الموبايل.
لحد يوم
وصلتني رسالة من أمي.
كانت أول رسالة منها من غير طلب فلوس.
كتبت
يا هبة أنا غلطت.
افتكرت إنك هتفضلي تدينا من غير ما تحتاجي حاجة.
ونسيت إنك كنتي محتاجة كلمة حلوة أكتر من أي حاجة.
قريت الرسالة أكتر من مرة.
وعيطت.
مش علشان الفلوس.
ولا علشان البيت.
لكن علشان الجملة دي جات متأخرة خمسة عشر سنة.
بعد يومين
رحت أشوفها.
لقيتها قاعدة في شقة إيجار صغيرة.
أصغر بكتير من البيت اللي بنيناه.
أول ما شافتني
حضنتني جامد.
ولأول مرة من سنين
حسيت إنها بتحضني بجد.
فضلت تعيط وهي بتقول
سامحيني يا بنتي.
أنا ظلمتك.
بصيتلها وقلت بهدوء
أنا مسامحاكي يا أمي.
لكن عمري ما هرجع أعيش زي زمان.
هزت راسها وهي بتعيط.
كانت فاهمة.
أما كريم
فوقف قدامي لأول مرة مكسور.
وقال
أنا كنت فاكر إن كل ده حقي.
دلوقتي عرفت إن اللي اتبنى بعرق غيري عمره ما هيبقى ملكي.
مديت إيدي وسلمت عليه.
وقلت
ابدأ من الصفر.
زي ما أنا بدأت.
خرجت من عندهم
وأنا حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من فوق قلبي.
مش لأني كسبت.
لكن لأني أخيرًا بطلت أستنى التقدير من ناس عمرهم ما عرفوا قيمة تضحيتي.
واتعلمت درس عمري ما هنساه
الفلوس ممكن تبني بيت.
لكن الاحترام هو اللي بيبني عيلة.
ولو العيلة ضاعت
يبقى أي قصر في الدنيا
ما يسواش أوضة صغيرة فيها راحة بال.