وقعت على الأرض قدام صورة ابني
اليوم اللي كريم كان مستنيه عشان يبقى مالك كل حاجة…
كان هو نفسه اليوم اللي حياته كلها انهارت فيه.
بعت دعوات لمستثمرين كبار، وأعضاء مجلس الإدارة، وعدد من الصحفيين الاقتصاديين.
الكل كان فاكر إن المؤتمر معمول عشان الإعلان عن “تولي كريم إدارة المجموعة” بعد تدهور حالتي النفسية.
وده بالضبط اللي هو كان عايز الناس تصدقه.
قبل بداية المؤتمر بعشر دقايق، كنت قاعدة في العربية برا المبنى.
بصيت لصورة عمر على شاشة موبايلي.
ابتسامته الصغيرة كانت كأنها بتقولي:
“كملي يا ماما.”
مسحت دموعي ونزلت.
أول ما دخلت القاعة حصل همس بين الناس.
بعضهم اتفاجئ إني حضرت أصلًا.
وبعضهم كان مستغرب إني لابسة أبيض.
مش أسود.
مش لبس حد مكسور.
لكن لبس واحدة جاية تحارب.
كان في إيدي العربية الحمرا.
عربية عمر.
وفي إيدي التانية ملف أزرق.
نفس الملف اللي المحامي أشرف كان مخبيه عني شهور.
أول ما كريم شافني…
وشه اتسحب.
قام بسرعة من مكانه.
ـ ليلى… إنتِ المفروض ترتاحي.
ابتسمت.
ـ وأنا مرتاحة جدًا.
ـ الاجتماع هيبقى متعب ليكي.
ـ متقلقش… اللي هيتعب النهاردة مش أنا.
ساعتها بدأ القلق يظهر في عينه لأول مرة.
وقف قدام الحضور وقال:
ـ للأسف حالة زوجتي لسه غير مستقرة…
قاطعته.
ـ كفاية كدب.
القاعة كلها سكتت.
كل العيون بقت علينا.
كريم حاول يضحك.
ـ واضح إنك متوترة.
ـ لا.
ثم رفعت العربية اللعبة قدام الكل.
ـ تعرفوا العربية دي؟
محدش فهم حاجة.
لكن كريم فهم.
وعرفت إنه فهم.
لأن لون وشه بقى أبيض فجأة.
كملت:
ـ ابني عمر كان بيحب العربية دي أكتر من أي لعبة تانية.
بس اللي محدش يعرفه…
إن جواها كاميرا.
اتسعت عيون الحضور.
أما كريم فبدأ يتنفس بسرعة.
إديت إشارة لفني العرض.
وفجأة الشاشة العملاقة اشتغلت.
ظهر الجراج.
ظهر سامح.
وهو بيقطع سلك الفرامل.
ثم ظهر كريم.
صوته كان واضح جدًا:
“خلّيها تبان حادثة.”
في اللحظة دي…
القاعة كلها انفجرت.
ناس قامت من أماكنها.
صحفيين مسكوا موبايلاتهم.
وأعضاء مجلس الإدارة بصوا لبعض بصدمة.
أما كريم فبدأ يصرخ:
ـ التسجيل مزور!
ـ مفبرك!
ـ دي مجنونة!
لكن قبل ما يكمل…
اتفتح باب القاعة.
ودخلت المستشارة نجلاء.
وراها ضباط من المباحث.
وقالت بصوت ثابت:
ـ التسجيل خضع لفحص جنائي كامل.
والأصوات مطابقة.
والتواريخ أصلية.
يعني الدليل صحيح مية في المية.
كريم رجع خطوة لورا.
ثم اتلفت ناحية المحامي أشرف.
لكن أشرف نفسه كان مرعوب.
لأن نجلاء فتحت الملف الأزرق.
وقالت:
ـ ومعانا كمان أدلة على تزوير مستندات رسمية، ومحاولة الاستيلاء على أموال الشركة، وتحويلات مالية غير قانونية.
هنا أشرف انهار.
انهار حرفيًا.
وقال:
ـ أنا ماليش دعوة!
كريم هو اللي خطط لكل حاجة!
القاعة اتجمدت.
كريم بصله بصدمة.
ـ إنت اتجننت؟
ـ لا… أنا مش هدخل السجن لوحدي.
ـ اخرس!
ـ أنت اللي طلبت مني أزور الأوراق!
وأنت اللي دفعت لسامح!
وأنت اللي رتبت الحادث!
كل كلمة كانت خنجر جديد في قلب كريم.
أما المفاجأة الأكبر فجات من الباب الخلفي.
لما دخلت سيدة في أواخر الأربعينات.
كانت سائقة العربية اللي نجت من الحادث.
أول ما شافت كريم أشارت عليه وقالت:
ـ هو ده.
هو اللي هددني.
وهو اللي بعت ناس يراقبوني عشان أسكت.
هنا انتهى كل شيء.
فعليًا.
الضابط قرب من كريم.
ـ كريم عبدالعزيز…
أنت مقبوض عليك بتهمة الاشتراك في قتل الطفل عمر، والشروع في قتل زوجتك، والتزوير والاستيلاء على الأموال.
حاول يهرب.
لكن الضباط مسكوه.
بدأ يصرخ.
ويشتم.
ويتوعد الجميع.
ثم فجأة بص لي.
نظرة عمري ما هنساها.
كانت أول مرة أشوفه خايف.
خايف بجد.
وقال بصوت مبحوح:
ـ فاكرة إن ده هيرجع ابنك؟
سكتت القاعة كلها.
والكل بص لي.
مشيت ناحيته لحد ما بقيت واقفة قدامه مباشرة.
وقلت:
ـ لا.
عمر مش هيرجع.
ولا أي حكم في الدنيا هيعوض ثانية واحدة من عمره.
لكن في حاجة واحدة هتحصل.
إنك هتعيش باقي عمرك كله عارف إنك خسرت.
خسرت الفلوس.
وخسرت الشركة.
وخسرت حريتك.
وخسرت اللعبة اللي قتلت عشانها.
أما أنا…
فكل يوم هصحى وأنا عارفة إن ابني مات بريء.
وإن اللي قتله أخد جزاءه.
اتسحب كريم مكبل بالأصفاد وسط عدسات الكاميرات.
واختفى من حياتي للأبد.
وقفت لوحدي وسط القاعة الفاضية بعدها بدقايق.
والناس كلها خرجت.
بصيت للعربية الحمرا في إيدي.
وضغطت عليها برفق.
كأن عمر لسه ماسكها.
ولأول مرة من يوم جنازته…
حسيت إن نفسي رجع يدخل صدري.
ورغم إن الوجع كان لسه موجود…
إلا إن العدالة أخيرًا بدأت تاخد طريقها.
وساعتها فقط…
سمعت الصمت.
لكن المرة دي ماكانش صمت خوف أو فقد.
كان صمت راحة.
صمت يشبه حضن عمر…
لما كان يجري عليّ ويقولي:
“متخافيش يا ماما… أنا معاكي.”