وقعت على الأرض قدام صورة ابني

لمحة نيوز

“وقعت على الأرض قدام صورة ابني وأنا مش قادرة أخد نفسي… وبعدها بثواني لمحت عربيته اللعبة الحمرا اللي كان متعلق بيها طول عمره. مسكتها بإيدين بتترعش، وفتحت الكاميرا السرية اللي كنا مخبينها جواها أنا وهو بس… ولما سمعت الجملة دي: (خلّيها تبان حادثة)… الدم اتجمد في عروقي. لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الصوت… كانت في الشخص اللي ظهر بعدها على الشاشة!”

يوم جنازة ابني عمر، ما دفنتش ابني بس…

أنا دفنت الست الساذجة اللي الكل كان فاكر إنه يعرفها.

كنت واقفة قدام صورته في جامع كبير بالقاهرة، باصة لابتسامته الصغيرة وسنانه اللي لسه طالعة جديد، وحاسة إن الدنيا كلها اتسحبت من تحت رجلي.

ورايا كان جوزي كريم بيستقبل العزاء بمنتهى الهدوء، لدرجة خلت كل الناس تقول:
“يا عيني عليه… متماسك رغم المصيبة.”

لكن دلوقتي عرفت إن ده ماكانش تماسك…

ده كان اطمئنان واحد فاكر إن خطته نجحت.

قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بصوت هادي:
ـ إنتِ محتاجة ترتاحي يا ليلى… سيبي كل حاجة عليا. الشركة والبيت وكل حاجة.

المحامي بتاعه، أشرف، هز راسه موافق وقال:
ـ وفي الظروف دي طبعًا مش مناسب توقعي على أي أوراق مهمة… نعمل توكيل مؤقت بس لحد ما حالتك تتحسن.

ما رديتش.

كنت مركزة في حاجة تانية.

العربية اللعبة الحمرا اللي كانت محطوطة جنب صورة عمر.

العربية اللي كان بياخدها معاه في كل حتة.

واللي محدش يعرف غيري أنا وهو إن جواها كاميرا صغيرة جدًا.

من شهور لما عمر قالي:
ـ ماما… بابا كريم بيتكلم مع عمو سامح في الجراج عن حاجات غريبة.

ساعتها ركبت الكاميرا دي عشان أطمن.

كنت فاكرة إني ممكن أكشف خيانة…
أو صفقة مشبوهة…

لكن عمري ما تخيلت إنها هتكشف جريمة قتل.

خبيت العربية تحت شالي بهدوء ورجعنا البيت.

أول ما كريم دخل المكتب يقفل على نفسه مع المحامي، طلعت أوضتي وشغلت التسجيل.

أول لقطة ظهرت كانت الجراج.

وبعدين ظهر سامح أخو كريم وهو راكع جنب العربية.

كان بيقطع سلك الفرامل.

قلبي وقف.

ثواني وظهر كريم بنفسه.

واضح جدًا.

واقف بيتفرج ومستعجل.

وبعدين قال الجملة اللي غيرت حياتي كلها:

ـ متأكد إن العربية هتقلب في الملف؟

ـ أيوة.

ـ تمام… خلّيها تبان حادثة. لما ليلى والولد يموتوا، كل حاجة هتبقى بتاعتنا.

في اللحظة دي…

حسيت إن روحي اتكسرت من جوا من غير صوت.

لأن الحقيقة كانت أبشع بكتير مما تخيلت.

أنا أصلًا ما كنتش في العربية يوم الحادث.

في آخر لحظة كريم اختلق أزمة في الشركة وخلاني أروح مكان تاني.

لكن عمر…

كان جوه العربية.

ومات لوحده.

أما أنا…

فنجوت بالصدفة.

وأدركت وقتها إن اللي قتل ابني…

كان نايم كل ليلة جنبي على نفس السرير.

 

فضلت باصة للشاشة ومش قادرة أرمش.

التسجيل خلص…

لكن الكابوس الحقيقي كان لسه بيبدأ.

مسحت دموعي بسرعة وقفلت اللاب توب أول ما سمعت باب الأوضة بيتفتح.

دخل كريم.

كان متوقع يشوف واحدة منهارة، مكسورة، مش قادرة تفكر.

وده بالضبط اللي أنا قررت أديهوله.

رفعت عيني ليه وبصيت له بنظرة تايهة.

ـ أنا تعبانة أوي يا كريم.

قرب مني بسرعة وحضني.

ـ عارف يا حبيبتي… عارف.

ولو كان في جوايا نقطة شك واحدة إنه بريء، كانت راحت في اللحظة دي.

لأن حضنه كان بارد.

بارد بشكل مرعب.

زي حضن واحد بيطبطب على ضحيته.

تاني يوم الصبح دعا لاجتماع طارئ لمجلس إدارة الشركة.

الشركة أصلًا كانت بتاعة جوزي الأول، والد عمر.

وكان عمر الوريث الوحيد ليها.

بعد موته بقت الأسهم باسمي.

وده كان السبب الحقيقي لكل اللي حصل.

دخل كريم الاجتماع لابس بدلة سودة أنيقة وكأنه رايح يحتفل مش يعزي.

وقف قدام الكل وقال:

ـ للأسف حالة مدام ليلى النفسية صعبة جدًا… وعشان كده أنا هتولى إدارة الشركة بشكل مؤقت.

كل العيون اتوجهت ناحيتي.

بعضهم كان متعاطف.

وبعضهم كان مستني يشوف الست المكسورة.

أما المحامي أشرف فطلع ورقة وحطها قدامي.

ـ إمضي هنا.

بصيت للورقة.

كان توكيل عام بيديله سلطة كاملة على كل حاجة.

الفلوس.

الشركة.

الحسابات.

العقارات.

كل شيء.

مسكت القلم.

وخليت إيدي تترعش.

ـ هو أمضي فين؟

ضحك كريم.

الضحكة اللي بقت بتقرفني.

ـ هنا يا حبيبتي… سيبيها عليا.

لكن اللي ماكانش يعرفه إن الليلة اللي قبلها كنت كلمت واحدة قديمة جدًا.

صاحبتي من أيام الجامعة.

المستشارة نجلاء منصور.

واحدة من أخطر وكلاء النيابة في قضايا الأموال والفساد.

وبمساعدتها جهزنا ورقة تانية خالص.

شكلها نفس الشكل.

لكن مضمونها مختلف تمامًا.

أول ما مضيت…

اتفعل أمر رسمي بتجميد أي تحويلات مالية كبيرة من الشركة.

وأي محاولة لنقل الأسهم أو الأموال هتوصل مباشرة للنيابة.

كريم خرج من الاجتماع مبتسم.

وأنا خرجت وراه.

لكن المرة دي…

أنا اللي كنت باصة على فريستي.

مش هو.

بعد ساعات قليلة راقبته وهو داخل البنك مع المحامي.

فضلوا جوه أكتر من ساعة.

ولما خرجوا كانت وشوشهم متجهمة.

عرفت بعدها إنهم حاولوا يحولوا أكتر من ميتين مليون جنيه لشركة وهمية بره مصر.

لكن التحويل اترفض واتجمد فورًا.

وفي نفس اللحظة وصل البلاغ للنيابة.

ومن هنا…

بدأت أعصاب كريم تتفك.

بس أنا كملت التمثيل.

كل يوم أظهر قدامه أضعف.

أهزر بكلام ملخبط.

أنسى مواعيد.

أقول تواريخ غلط.

أمثل إني بتدهور نفسيًا.

وهو كان بيصدق أكتر وأكتر.

لحد ما في ليلة وإحنا بنتعشى قال:

ـ بكرة هيجيلك دكتور نفسي.

رفعت عيني باستغراب.

ـ ليه؟

ـ محتاجة علاج.

ـ وبعد العلاج؟

ابتسم.

ـ هنريحك شوية في مصحة محترمة.

ـ وموبايلاتي؟

ـ هتتسحب.

ـ والمحامين؟

ـ مش هتحتاجيهم.

ـ والشركة؟

ـ خلاص… ما تشغليش بالك بحاجة.

بصيت له وأنا حاسة إني قدام شيطان.

وقلت بهدوء:

ـ زي عمر؟

اتجمد مكانه.

ـ نعم؟

ـ أصل عمر برضو ما بقاش محتاج يشيل هم أي حاجة.

فضل باصص لي ثواني طويلة.

ثواني مرعبة.

كنت حاسة إنه بيحاول يعرف…

هل أنا عرفت؟

ولا لسه؟

لكن في الآخر ابتسم.

وشرب من كوباية العصير اللي قدامه.

وفي نفس الليلة…

اكتشفت إنه قرر يسرّع خطته.

لأن كاميرات المطبخ سجلته وهو بيطحن أقراص منومة ويحطها في العصير بتاعي.

كان عايز يدخلني المصحة غصب.

ويعلن إني مختلة نفسيًا.

وساعتها يبقى كل شيء تحت سيطرته.

لكن اللي ماكانش يعرفه…

إن اللعبة كلها كانت بتتقلب عليه.

وإن أكبر صدمة في حياته كانت مستنياه خلال أيام قليلة…

قدام الناس كلها.

تم نسخ الرابط