الساعة كانت لسه 6 الصبح… صحيت على صوت جرس البيت بيترن بجنون، ولما بصيت من الشباك اتجمد الدم في عروقي
بالنسبة لها.
قال بعد تردد
إيناس
رفعت عينيها ناحيته.
نعم؟
إنتِ مكبرة الموضوع شوية.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لسه شايف كده؟
يعني في الآخر دول أهلي.
وأنا مراتك.
سكت.
فكملت
عارف المشكلة فين يا أحمد؟
فين؟
إنك شايف إن أهلك لهم حق عندي لكن عمرك ما فكرت إن ليا حق عندك.
فضل ساكت.
لأن لأول مرة
ماكانش عنده رد جاهز.
في اليوم اللي بعده صحي بدري.
ولقى إيناس قاعدة في البلكونة ماسكة دفتر صغير.
استغرب.
بتعملي إيه؟
قالت من غير ما ترفع عينها
بحسب.
بتحسبي إيه؟
ناولته الدفتر.
أول ما فتحه اتصدم.
كل زيارة لأهله كانت متسجلة.
تاريخ الزيارة.
تكلفة الأكل.
تكلفة الفحم.
تكلفة المياه.
تكلفة الإصلاحات.
حتى الشماسي اللي اتكسرت.
وكرسي الجنينة اللي ابن عمه قعد عليه بطريقة غلط وكسره.
كل حاجة.
كل جنيه.
كل مرة.
آخر الصفحة كان مكتوب رقم كبير.
أكبر بكتير مما تخيل.
قال وهو مصدوم
إنتِ كنتِ بتسجلي ده كله؟
أيوة.
ليه؟
عشان ماحدش يقولي بعد كده إني بتوهم.
فضل يبص للأرقام.
وساعتها بس استوعب إن الموضوع عمره ما كان فطار أو غدا.
الموضوع كان سنين من الاستغلال الصغير اللي بيتكرر كل شوية.
سنين من كلمة
ما هي مش هتزعل.
بعد أسبوع
رن تليفونه.
كانت أمه.
رد وهو متردد.
قالت مباشرة
إحنا هنعدي عليكم الجمعة الجاية.
أحمد سكت ثواني.
قبل كده كان هيقول
تعالوا.
بمنتهى البساطة.
لكن المرة دي قال
هسأل إيناس الأول.
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان كافي.
وبعدين سمع صوت أمه وهي بتقول بعصبية
من إمتى بتستأذن مراتك عشان أهلك يزوروك؟
رد بهدوء
من إمتى أهلي بييجوا بيت حد من غير ما يستأذنوه؟
واتقفل الخط.
لما حكى لإيناس اللي حصل
ماكنتش متفاجئة.
ولا حتى فرحت.
قالت فقط
وأنت رأيك إيه؟
رأيي إنك معاكي حق.
لأول مرة قالها بصراحة.
من غير لف.
من غير تبرير.
من غير كلمة بس.
إيناس بصت له للحظات.
وكان واضح إنها مستنية الجملة دي من سنين.
بعدها بأيام قليلة
حماته اتصلت بنفسها بإيناس.
وكان واضح إن المكالمة مش سهلة عليها.
قالت بعد تردد
إحنا عايزين نيجي نتغدى الجمعة.
إيناس ردت بهدوء
أهلاً وسهلاً.
سكتت حماتها ثواني.
وبعدين قالت
هنجيب الأكل معانا.
لأول مرة
إيناس ابتسمت بصدق.
وقالت
يبقى تنوروا.
يوم الجمعة وصلوا الساعة اتنين بالظبط.
مش ستة الصبح.
ومعاهم أكياس مليانة أكل.
مش أكياس فاضية.
وجابوا فاكهة.
وخضار.
ولحمة.
وحلو.
وحتى المياه.
لدرجة إن إيناس نفسها استغربت.
وأثناء الغدا
حصل شيء عمره ما حصل قبل كده.
حماتها قامت من مكانها بعد الأكل.
وشالت طبقها.
وراحت ناحية الحوض.
إيناس بصتلها باستغراب.
أما حماتها فقالت وهي بتتجنب النظر في عينيها
مش هسيبلك كل حاجة لوحدك.
الجملة كانت بسيطة جدًا.
لكنها بالنسبة لإيناس كانت أهم من ألف اعتذار.
لأنها أول مرة تحس إن حد شايف تعبها أصلًا.
وفي آخر اليوم
قبل ما يمشوا.
وقفت حماتها عند البوابة.
وقالت فجأة
التوت شكله طلع حلو السنة دي.
ابتسمت إيناس.
ودخلت المطبخ.
ورجعت ببرطمان صغير مليان توت.
ناولتهولها.
استغربت.
ده ليا؟
هزت رأسها.
أيوة.
قالت حماتها
بس إنتِ قولتي قبل كده إنك مش بتوزعيه.
ردت إيناس وهي مبتسمة
أنا ماعنديش مشكلة أدي من حاجتي لما يكون بإرادتي.
مسكت حماتها البرطمان وسكتت.
لأنها أخيرًا فهمت الفرق بين الهدية
وبين الحاجة اللي الناس بتفترض إنها من حقها.
ومن يومها
ماحدش بقى يرن جرس الفيلا الفجر.
وماحدش بقى ييجي ومعاه شنط فاضية.
لكن الأهم
إن أحمد نفسه بقى يعرف إن كرم مراته مش تصريح مفتوح لكل الناس.
وإن احترام حدودها
كان أقل حاجة يستحقها الشخص اللي شاركته عمرها وبيتها وتعبها.