قبل فرح ابنى
الجواب ب صوته... طلب سماح حقيقي. مش من نوعية أنا آسف لو كنتوا زعلتوا، ولا أنا آسف على اللي حصل... طلب سماح صريح وواضح على إنه استعر من أمه العيانة، وعلى إنه خطط يسرقني ماليّاً، وعلى إنه ساب خلود تجهز إهانة وذل ل أمه، وعلى إنه اعتبر حبنا شيك ملوش غطا.
وبص لماجدة مباشرة أنا مش جاي أطلب منك تحضنيني دلوقتي، ولا جاي أقولك ثقي فيا تاني. أنا بس جاي أبص في عنيكي وأقولك إنني بروح لعلاج نفسي حقيقي بانتظام، وشغال كاشير في محل حدايد وبويات في السبتية، وصاحب المحل ميعرفش أنا ابن مين اصلاً، ولأول مرة في حياتي... بدفع إيجار شقتي الصغيرة من عرق جيبى وشغلي. الموضوع مرعب وصعب أوي... بس أنا كنت محتاج السحلة دي بجد عشان أنظف.
ماجدة كانت بتعيط، وأنا كمان. هاني ساب الورقة على التربيزة الإزاز وقام.
أنا هفضل اجي أتابع مع المستشار مدحت كل أول شهر عشان أثبت إنني ماشي صح. لو في يوم من الأيام عوزتوا تشوفوني عشر دقائق في أي قهوة... أنا تحت أمركم. لو مش عوزتوا... هحترم ده جداً وبكل أدب.
لف ومشى ناحية الأسانسير. ماجدة ماندهتش عليه عشان يرجع، بس مَقطعتش الجواب؛ طبقتُه بالراحة وشالته في شنطتها. وبالليل، شفتها قاعدة جمب الشباك بتقراه للمرة الثالثة. مسألتنيش هنعمل إيه، لإن الأم بالفطرة عارفة إن السماح لما بيوصل... مبيجيش ب مواعيد وأوامر؛ بيجي وهو بيعرج وبيتألم، أو مبيجيش خالص.
بعد ست شهور، وافقنا نقابله في محل كشري بسيط. العشر دقائق بقوا ربع ساعة... وبعدين نص ساعة كاملة. مجاش الفيلا عندنا إلا بعد فترة طويلة جداً؛ ولما جِه، مدخلش كأنه صاحب البيت... رن الجرس، ووقف على المصطبة برة مستني، وكان معاه ورد بلدي لماجدة وشنطة عِددة حديد ليا أنا.
وقال بكسوف عشان نصلح تزييقة الباب الحديد بتاع الجنينة... لو تسمحلي يا بابا.
وسِبتُه يشتغل. واشتغلنا في صمت تام؛ بقيت بشرح له ازاي يظبط حلق الباب وال مفصلة التقيلة، وكان بيسمع... بجد. من غير ما يقاطعني ويقولي عارف يا بابا خلاص.
لما خلصنا، ماجدة خرجت بشفشق ليمون ساقع وقعدنا في البلاكونة ورا. مكنش مشهد سينمائي ومفيش مزيكا حزينة ولا وعود بالدموع إن كل حاجة اتصلحت. كنا مجرد تلات بني آدمين فيهم عيوب وشروخ، قاعدين حوالين تربيزة حديد، وبيتعلموا بالراحة ازاي مَايستخدموش الحب كسلاح ضد بعض. ساعات السلام الهادي ده بيكون معجزة أكبر من أي فرح وهيصة.
نهاية القصة
قاعة الماريوت دي قفلت بعد كام شهر عشان تجديدات وتعديلات واسعة. مش بسبب الحكاية، مع إن الإشاعات في المجتمع الراقي قالت كده. لمحت محروس وهو سايق بيا في يوم من الأيام والعمال بيطلعوا الكراسي القديمة وبيرموها في عربية الروبابيكيا الكبيرة... يمكن الكرسي ده كان وسطهم؛ الكرسي الفخ، اللي ملحقش يمسك ماجدة، بس مسك وخرّب حياة كل اللي افتكروا إن ذل وإهانة ست كبيرة مجرد نكتة ومقلب لطيف. فكرت أقف وأتفرج عليهم وهما بيرموه... بس مقفتش، وقلت لمحروس كمل طريقك يا محروس.
ماجدة كانت قاعدة جمبي، لابس فستان أصفر جميل، وشعرها الأبيض ملموم ومرتب بكل أناقة. مبقتش حاطة بروش اللؤلؤ؛ هاني رجعه ليها من كام شهر في علبة قطيفة صغيرة وقالها أنا لسه مستحقش أشيله معايا. ماجدة شالته... مش كعقاب مرير، بس كذكرى لليوم اللي كل حاجة بدأت تتصلح فيه من جديد.
يوم الأحد ده، كنا بنفتتح مائدة طعام ومطبخ خيري تابع لمؤسسة إلهام حسن... المطبخ ده ماجدة صممت ت بنيه جمب مشروع سكني ضخم لشركة الجبالي كانت بتبنيه لإسكان الشباب ومحدودي الدخل. وقالت للمجلس وقتها ماتقدرش تتباهى ب سقف بتبنيه فوق راس حد... وبطن الناس اللي تحت السقف ده بتصرخ من الجوع.
كان في أطفال بتجري في كل مكان بالصالة الجديدة. كوتشياتهم بتزيق على البلاط النظيف، وضحكهم الصافي بيرن في المكان كله. ماجدة كانت بتبص عليهم بابتسامة صغرت وشها عشر سنين لورا.
هاني وصل متأخر شوية، شايل قفصين فاكهة طازة للمطبخ على كتافه؛ عرقان، مفيش سواق، ومفيش بدلة إيطالي... مجرد شاب ب تيشيرت بسيط. قرب من أمه آسف يا أمي... الطريق الدائري كان واقف بسبب حادثة.
بصت له بحنان المهم إنك جيت وشايل في إيدك حاجة تقدمها... مش مجرد حجة واعذار وخلاص.
ابتسم بالراحة، وأنا كمان ابتسمت.
على الحيطة الطوب الرئيسية للمطبخ الكبير، كان في يافطة نحاس بتلمع إلهام حسن... حجر الأساس كان من خيرها.
ماجدة مدت صوابعها ولمست النحاس الساقع أمي لو كانت عايشة كانت هتتخانق معانا وتقول ملهاش لزمة المصاريف دي واليفط.
وقلتلها ما هو عشان هي كانت هتقول كده... كان لازم نحطها.
ريّحت راسها على كتفي أنت لسه بتفكر في ليلة الفرح دي يا طارق؟.
بصيت على الصالة المليانة ناس؛ شفت هاني بيوزع التفاح على العيال الصغار، وشفت ميرنا اللي جت من كليتها وبقت بتدرس حقوق بمنحة من المؤسسة، وشفت مدحت واقف بيتكلم مع محروس عند البوفيه... وشفت مراتي واقفة بطولها؛ مش كمجرد زينة وديكور لكبرياء راجل، بس كأساس متين وصلب ومبيتهدش لكل حاجة حلوة في حياتي.
وقلتلها أيوة... فاكرها.
همست وأنا كمان... بس مبقتش بتوجع بنفس الطريقة.
مسكت إيدها بتوجعك ازاي دلوقتي؟.
فكرت لثواني وهي بتبص على العيال بتلعب زي جرح العملية القديم... مبيجيبش دم خلاص، بس بيفضل موجود عشان يفكرني بالظبط باللحظة اللي اتعلمت فيها مَاسمحش لحد يقعدني على كرسي أنا مَخترتوش بنفسي.
ضغطت على إيدها بالراحة. وفي اللحظة دي، عيل صغير كان بيجري بضهره خبط في رجلي وكان هيوقع شفشق المية البلاستيك.
أنا آسف يا عمو!.
ضحكت وقلتله حاسب يا بطل وأنت بتجري. الجري وجري وهو بيضحك، وماجدة فضلت متبعاه بعنيها.
العيال كانت بتجري براحتها، ومحدش كان خايف يغلط أو يتهز. المزيكا كانت شغالة من كاسيت صغير والكل مبسوط. الأكل كتير، والكراسي نظيفة وأمان... مفيش سم مستخبي تحت قماش حد، ومفيش همس عن ورث في النواحي، ومفيش حد حاسس بنقص وعايز يذل ست عشان يحس إنه كبير.
وفهمت أخيراً، في أخر أيامي بس فهمت... إن العيلة مابتنقذش ب إنك تجبر كل الأسامي تقعد بالسيف على نفس التربيزة؛ العيلة بتنقذ لما تشيل وتطرد من وسطها الكراسي اللي بيقعد عليها الكدب، والأذى، والطمع.
ساعات بيفضل في مكان فاضي على التربيزة، وساعات المكان الفاضي ده بيوجع العين والقلب لما تبص عليه. بس بعد فترة... في حد بيجي وهو شايل فاكهة في إيده. في حد بيجي بأسف حقيقي مش طالب حضن سريع. في حد بيجي ومعاه يافطة نحاس لست محدش قالها شكراً زمان. في حد بيجي ومعاه عيال صغيرة عايزة تضحك وتلعب بس.
وفجأة... المكان الفاضي مبيبقاش خسارة توجع؛ بيبقى مساحة. مساحة عشان تعرف تاخد نفسك. مساحة عشان تبني من جديد ونظيف. مساحة عشان تحط الاسم الصح... على أول حجر أساس.
لفت ماجدة وبصتلي بابتسامة منورة يلا يا طارق عشان ناكل... بس المرة دي أنت اللي هتغرفلي طبقي بنفسك.
ضحكت من قلبي وقولتلها حاضر يا سيادة الرئيسة... من عنيا الاتنين حالا.
مشيت وخدت طبقين من على التربيزة، وغرفت لها هي الأولى. مش مجرد ذوق وأدب... ده كان حق وعدالة متأخرة أوي. وأنا بتفرج عليها وهي بتاخد طبقها، ومكانها، وتاريخها الكامل اللي مفيش فيه نقص، عرفت إن الليلة المشؤومة دي مأخدتش مني ابن، ولا أخ، ولا شقا عمري... دي كل اللي عملته إنها رجعتلنا حاجة أصعب بكتير وأغلى رجعتلنا الحقيقة.
ومع الحقيقة... حتى لو كانت بتوجع زي النار في الأول، تقدر تبني حاجة تعيش... ومتهدش أبداً.