جوزي قالي يوم الطلاق

لمحة نيوز


لأعيش أنا، هو والدي الوحيد. والدي پالدم الذي جرى في عروقي، والدي بالحب الذي لا يُقاس بأي نسب أو أصل.
ساد صمت أعمق من الصمت السابق، حتى أن تنفس الناس أصبح مسموعاً. فتحت أمينة فمها لتتكلم، لكنها أغلقته فوراً عندما رأت نظرة يوسف الحازمة، نظرة لم تعرفها منه من قبل، وكأنها نظرة رجل تحمل مسؤولية ثقيلة لسنوات طويلة.
بدأ يوسف يقرأ بصوت هادئ، لكنه مليء بالحزن والألم
إلى من سيجد هذا الطفل
أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أنها قد تكون آخر ما أتركه في هذا العالم. أنا امرأة من عائلة كبيرة ومعروفة، لكنها عائلة تقدر الشرف والسمعة أكثر من أي شيء آخر، حتى أكثر من حياة إنسان. أحببت رجلاً لم تقبله عائلتي، ورفضوا زواجنا، وحينما حملت بهذا الطفل، أجبروني على الطلاق، وهددوني بڤضيحة تدمر مستقبلي ومستقبله. لم يكن بيدي حيلة، فقررت أن أتركه في مكان قريب من القرية، عسى أن يجده قلب رحيم يأخذه ويرعاه، بدلاً من أن ينشأ وسط كراهية ورفض. هذا الطفل اسمه يوسف، ولد في اليوم الأول من شهر يونيو، قبل عامين بالتمام. رجاءً يا من ستجده، عامله بلطف، واغفر لي ضعفي، واعلم أنني لم أتخلى عنه رغبةً، بل إجباراً. والله يعلم كم بكيت وكم تألمت، وسأبقى أتذكره حتى آخر أنفاسي. إن قدر له أن يكبر ويعرف أصله، فليعلم أن أمه لم تكن سيئة، بل كانت أسيرة لظروف قاسېة لا قوة لها عليها.
توقف يوسف عن القراءة، وطوى الورقة بعناية، وكأنها قطعة من روحه. ثم أضاف بصوت يرتجف قليلاً
وجدت هذه الورقة منذ خمس سنوات، عندما قررت أن أنظف البطانية التي احتفظت بها معي طوال حياتي، كذكرى من أيامي الأولى. لم
أقرأها لأحد، ولم أسأل عن شيء، لأنني كنت أعلم أن والدي حسن هو كل ما أملك. لكن في السنوات الأخيرة، وبعد أن نجحت في عملي، وكونت علاقات واسعة، بدأت البحث بصمت، ليس لأغير حياتي، بل لأعرف الحقيقة كاملة، وأغلق هذا الباب المفتوح في قلبي.
صمت قليلاً، ثم تابع
اكتشفت أن عائلة أمي كانت من أكبر العائلات في المحافظة المجاورة، عائلة تمتلك أراضٍ واسعة، ومكانة عالية، وثروة طائلة. وعندما علموا أنني بدأت أبحث، أرسلوا إليّ رسائل، ثم جاءوا إليّ في القاهرة، وعرضوا عليّ كل شيء المال، والأراضي، والمناصب، والانتماء إلى عائلة عريقة. لكنهم اشترطوا شرطاً واحداً أن أنسى هذا المكان، وأن أنسى الرجل الذي رباني، وأن أقطع كل صلة به، لأنه لا يليق بمكانتهم.
هنا، رفع صوته قليلاً، ونظر إلى كل من كان يقف هناك، خاصة إلى عمتي أمينة التي كانت تقف شاحبة الوجه، لا تدري أين تضع عينيها
هل تعلمون ماذا قلت لهم؟ قلت لهم إن كان انتمائي إليكم يتطلب مني أن أتخلى عن من علمني معنى الإنسانية، وشاركني لقمة عيشه، وبنى لي مستقبلي بعرق جبينه، فأنا لا أريد هذا الانتماء. إن المكانة الحقيقية ليست في المال أو النسب، بل في القلب النقي الذي يعرف معنى الوفاء. والدي حسن، الفلاح البسيط، أغلى عندي من كل ثرواتكم وألقابكم.
شهقت بعض النساء من الجيران، وتبادل الرجال نظرات الدهشة والاحترام. أما أنا، فكنت أشعر بدموعي تسيل على وجهي المتجعد، دموع لم أذرفها منذ سنوات طويلة، دموع الفخر والامتنان. لم أتوقع يوماً أن يصل الأمر إلى هذا الحد، ولم أتوقع أن يكون ابني بهذا القدر من الوفاء والشموخ.
تقدم يوسف خطوات نحوي، وجثا على ركبتيه أمام مقعدي، وأمسك بيدي المليئة بالخطوط والتجاعيد، وقال بصوت مليء بالحب
يا والدي لقد جئت اليوم، ليس فقط لأخبركم بالحقيقة، بل لأغير شيئاً واحداً في هذا المكان. عندما نجحت، لم أفكر في بناء قصر في المدينة، أو العيش بعيداً. بل فكرت في إعادة بناء هذا البيت الذي شهد طفولتي، وفتح أبوابه لمن يحتاج، تماماً كما فتحت أنت بابك لي عندما كنت طفلاً بلا مأوى.
ثم الټفت مرة أخرى إلى الحشد، وقال
لقد قمت بشراء الأرض المحيطة بالبيت، وبدأت أعمال البناء والتجديد. سيبقى هذا البيت قائماً، لكن بجانبه سيتم بناء دار صغيرة لرعاية الأيتام والفقراء، تماماً كما فعل والدي معي. وسأبقى هنا، أزوركم دائماً، وأعيش بالقرب منكم، لأن هذا هو وطني الحقيقي، وهنا جذوري الحقيقية.
لم يعد أحد يستطيع إخفاء مشاعره. منهم من بكى، ومنهم من هز رأسه علامة على الندم، خاصة أولئك الذين كانوا يتهامسون في الماضي بأنني أضيع عمري على طفل ليس من دمي. أما أمينة، فتقدمت بخطوات بطيئة، ووجهها مليء بالخجل، وقالت بصوت منخفض

 

 

تم نسخ الرابط