"اللي مبيشتغلش... ملوش أكل هنا يا أمي. إنتِ هنا عايشة ببلاش
المحتويات
صورة تانية كتبت ساعات كبار السن بيحتاجوا صبر، وحب، ومراقبة طول الوقت.
أنا مكنتش عيانة. ومكنتش بنسى حاجة. ومكنتش محتاجة حد يراقبني. بس الناس بدأت تصدق. صاحبتي مديحة بطلت تتصل بيا زي الأول، وبعدين عرفت إن رامي قالها إني بقيت ألخبط في التواريخ وبضيع الفلوس. وجارتي وفاء سألتني، والشفقة في عينيها، لو كان حقيقي إني ببيع دهبي عشان مبقتش قادرة أصرف على نفسي! كل ده كان كدب في كدب.
في ليلة، عملت نفسي نايمة بدري. ووقفت في الطرقة الضلمة، قريبة من باب الأوضة اللي كانت مكتب ليّ زمان. رامي وفريدة كانوا بيتكلموا بصوت واطي
فاضل قد إيه؟ رامي اللي سأل.
مفيش، قليل أوي فريدة ردت . خلاص كل الناس بقت مصدقة إن مامتك مش مظبوطة وتعبانة. لو قدرنا نجيب دكتور يوقع على تقرير طبي، هنقدر نقول إنها محتاجة رعاية خاصة.
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
دار مسنين؟ رامي سأل.
متقولهاش كده، اسمها دار رعاية متخصصة. نبيع الشقة دي، وهي تلاقي اللي يخدمها، وأنت تاخد الفلوس دي تقوم بيها شركتك وتكبر شغلك. خطة كاملة ومفيش فيها غلطة.
سندت على الحيطة عشان مقعش. مكنوش عايزين شقتي وبس، دول كانوا عايزين يسرقوا اسمي، وصوتي، ومصداقيتي. عايزين يحولوني لست عجوزة مخرفة عشان يسرقوني بمباركة وموافقة من المجتمع كله.
اللية دي أنا معيطتش. فتحت الفولدرات على اللاب توب بتاعي، وبدأت أشيل وأسيف كل حاجة. سكرين شوتس، تسجيلات صوت من غير ما يحسوا، تواريخ، شهود، كدب، وحركات مريبة في الحسابات. سميت الفولدر حسابات وميزانية 2026، عشان لو حد فتش ورايا ميفهمش حاجة.
بعدها بكام يوم، اكتشفت أول كدبة كبيرة. البيت بتاع رامي مكنش فيه لا رطوبة ولا شروخ ولا أي زفت. لقيت في البرنتر الطباعة نسخة من عقد إيجار. كانوا مأجرين بيتهم اللي في مصر الجديدة ب تمانين ألف جنيه في الشهر، وقاعدين عندي ببلاش! مكنوش في أزمة ولا حاجة، دول كانوا بيتاجروا وبيمصوا دمي. صورت كل الورق ده بالموبايل.
تاني يوم، جالي تليفون مكنتش متوقعاه
أهلاً، مدام نادية عبد العزيز معايا؟ أنا ماجدة عثمان.. كنا شغالين مع بعض في مكتب المحاسبة اللي في وسط البلد زمان.
ماجدة! صاحبة عمري وأيام الشباب. الست اللي شاركتني فناجين القهوة، وتقفيل الميزانيات، والهزار على المديرين اللي ميتعاشروش.
طبعاً فاكراكي يا ماجدة قلتلها، بس صوتي طلع مخنوق ومكسور.
صوتك مش عاجبني، أنتِ كويسة؟
كنت هكدب وأقول تمام، بس نبرة صوتها الحنينة وقفتني. اتقابلنا في كافيه في مول في المهندسين. أول ما وصلت، خدتني . بعدها بصتلي بعيون المحاسبة؛ العيون اللي بتلقط اللي الناس بتخبيه.
عملوا فيكي إيه؟ سألتني.
وساعتها اتكلمت. حكيتلها كل حاجة. الإهانات، جملة رامي، بوستات فريدة، خطة دار المسنين، الشقة المتأجرة، الخوف، والغِل اللي جوايا. ماجدة سمعتني من غير ما تقاطعني. ولما خلصت، مقالتليش يا حبيبتي يا عيني ولا قالتلي استحملي ده ابنك. سألتني سؤال واحد بس
كارنيه نقابة التجاريين ورقم قيدك لسه معاكي وشغالين؟
بربشت بعيني وقلت
أظن آه، أنا مكنتش شطبت اسمي أبداً.
حلو قوي. أنا بكبّر مكتب الاستشارات المحاسبية بتاعي، ومحتاجة حد عنده خبرة بجد، حد بيعرف يشم الكدب في الأرقام. يا نادية، أنتِ منتهيتيش.. أنتِ بس مركونة.
مكنتش عارفة أقول إيه
بس أنا ماباشرتش شغل رسمي من سنين طويلة يا ماجدة.
أنتِ كبرتي عيلة، وأدرتي بيت، واهتميتي بمريض، وشيلتي مصاريفك، وطلعتي حية من وسط اتنين تعالب عايشين معاكي في الصالة.. كل ده شغل وتدبير. وبعدين، البرامج والسيستمز بتتعلم في أيام، لكن الخبرة مبتشتريهاش بفلوس.
رجعت البيت ومعايا الكارت بتاعها في شنطتي، وفيه فكرة قادت نار في صدري. بعد تلات أيام وافقت. بدأت أشتغل في الفجرية، ورامي وفريدة نايمين. كنت براجع ميزانيات، فواتير، وإقرارات ضريبية. في الأول إيدي كانت بتترعش، بس بعدها الأرقام رجعتلي تاني، كأنها لغة عمري ما نسيتها.
أول قبض ليا جالي بعد أسبوعين. مكنش ثروة، بس كان بتاعي. فلوس جاية من تفكيري، وخبرتي، وقيمتي. ساعتها اتصلت بمحامي من طرف ماجدة؛ الأستاذ مدحت الهواري، متخصص في قضايا الأسرة والعقارات. خدتله كل الأوراق. قعد يراجع المستندات في صمت، ولما خلص، قلع النضارة وقال
يا مدام نادية، ده مش مجرد أذى نفسي وبس. دي كمان حالة استضافة للعقار، وحضرتك ليكي كامل الحق تنهي الاستضافة دي في أي وقت يعجبك.
وهيقدامهم وقت قد إيه عشان يمشوا؟
خمسة عشر يوماً من تاريخ الإنذار على يد محضر. لو مخرجوش، بنرفع دعوى طرد وبنطلعهم بقوة القانون.
خمسة عشر يوماً.. افتكرت ساعتها صوت رامي وهو بيقولي اللى مبيشتغلش مبيأكلش. ولأول مرة من شهور، ابتسمت.. لأن ابني مكنش يعرف إن اللي مبييدفعش إيجار، هو كمان بيمشي ويتطرد!
الجزء الثالث
اخترت ليلة جمعة بالليل.
رامي وفريدة كانوا لسه راجعين من الساحل الشمالي، بعد ما قضوا ويد إند عطلة نهاية الأسبوع في فندق فاخر، في وقت كانوا شايفين فيه إني قاعدة برتاح في البيت لأني مبقتش حمل خروج وسفر. دخلوا وهم بيجروا شنطهم، وبيشتكوا من زحمة الطريق، ومن الركنة، والجو، وكل حاجة ممكن تشتكي منها لما تكون فاكر إن الدنيا اتخلقت عشان تخدمك وبس.
أنا كنت مستنياهم في الصالون.
مكونتش لابسة عباية بيتي، ولا السويتر القديم اللي فريدة كانت بتقول عليه بيخليني أبان كيوته وغلبانة. كنت لابسة بنطلون أسود، وبلوزة لونها أوف وايت شيك، وحاطة في وداني حلق اللولي اللي أحمد جوزي الله يرحمه جابهولي في عيد جوازنا التلاتين. سرحت شعري بعناية، وحطيت لمسة مكياج خفيفة.. مش عشان أبان أصغر، بس عشان أفكر نفسي إني لسه حية وجميلة.
وعلى السفرة، كان فيه مظروف ورق بني كبير.
رامي قلت بصوت ثابت.
ساب الشنطة جنب الباب وعقد حواجبه
في إيه يا ماما؟
فريدة حتى مبصتليش وهي بتقول
مدام نادية، إحنا مقتولين من التعب. بكرة نشوف أي حاجة شيفاها.
لأ.. هنشوفها دلوقتي.
حاجة في نبرة صوتي خلتهم يقفوا مكانهم.
رامي طلع منه ضحكة قصيرة مش مريحة
طيب وريني.. إيه الدراما اللي شايلاها المرة دي؟
مديت إيدي بالمظروف.
ماخدهوش، وسأل
إيه ده؟
ده إنذار رسمي على يد محضر. قدامكم خمسة عشر يوماً عشان تخلوا الشقة بتاعتي.
فريدة فتحت بقها من الصدمة ومكنتش عارفة تنطق.
رامي بربش بعينه، وبعدين طلع ضحكة صفرا ومصطنعة
نعم؟ بتقولي إيه؟
قدامكم خمسة عشر يوماً وتمشوا. لو مخرجتوش بمزاجكم، المحامي بتاعي هيبدأ إجراءات الطرد بقوة القانون.
كلمة الطرد نزلت في الصالون زي قنبلة فجرت الهدوء.
فريدة زعقت
أنتِ اتجننتي يا طنط؟!
بصيت لها من غير ما أتحرك شعرة
لأ، العكس.. أنا فوق الخيال، وأظن إني أخيراً رجعت لعقلي.
رامي قرب من المظروف وفتحه بعنف. قرأ أول كام سطر، وملامح وشه بدأت تتبدل. في الأول ذهول، بعدها غضب، وبعدين علامات شبه الخوف.
أنتِ مستحيل تعملي كده قال وصوته بيترعش أنا ابنك!
لأ، أقدر وأعملها. الشقة دي باسمي أنا لوحدي. وأنتم لا بتدفعوا إيجار، ولا بيننا عقد، ولا معاكم إذن رسمي تقعدوا فيها. أنا فتحت لكم الباب ثقة وعشم، والثقة دي انتهت خلاص.
فريدة ربعت إيديها وقالت بِلؤم
متابعة القراءة