أمي الله يرحمها بقت غنية بين يوم وليلة من عشر سنين… لكن بعد وفاتها وصلني جواب بيقول: “إنتِ بنت حرامية”
أمي الله يرحمها بقت غنية بين يوم وليلة من عشر سنين… لكن بعد وفاتها وصلني جواب بيقول: “إنتِ بنت حرامية”
كنت قاعدة على أرضية أوضة أمي، وسط حاجات كتير من ريحتها وذكرياتها.
في حضني كان البلوفر المفضل بتاعها. حضنته جامد وشميت ريحة اللافندر الخفيفة اللي لسه موجودة فيه، وساعتها دموعي نزلت من غير ما أحس.
جنبى كانت بنطلوناتها القديمة اللي كانت مرقعاها عشرات المرات. بصراحة كانت شبه لوحة فنية أكتر منها هدوم.
ضحكت وسط دموعي وأنا بهز راسي.
في اللحظة دي دخل جوزي “كريم” من باب الأوضة بهدوء.
قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بحنية:
“يا سارة، مش لازم تعملي كل ده لوحدك… إحنا هنعدي المرحلة دي سوا.”
مسحت دموعي بطرف الكم وقلت:
“بس كل حاجة هنا بتفكرني بيها… حتى البنطلون ده.”
أخد البنطلون وقعد يتفرج عليه وهو بيضحك:
“بصراحة والدتك تستحق جايزة في الحفاظ على الحاجات القديمة. الست كان معاها فلوس، ليه كانت مصممة تلبسه لحد دلوقتي؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
“عشان إحنا ماكناش أغنيا طول عمرنا. وأنا صغيرة كنا بنعاني جدًا. أمي اشتغلت في كل حاجة تقريبًا… خدامة، ممرضة لكبار السن، أي شغل يجيب لقمة العيش.”
سكت شوية وكملت:
“وفجأة من عشر سنين جاتلها ورثة ضخمة قلبت حياتنا كلها.”
رفع حاجبه باستغراب:
“وعمرها ما قالتلك الفلوس دي جات منين؟”
هزيت راسي:
“لأ. كل ما أسألها كانت تغير الموضوع. بس رغم الفلوس، عمرها ما اتغيرت. كانت دايمًا مقدرة قيمة الجنيه.”
حضني وقال:
“هتكون فخورة بيكي يا سارة.”
في اليوم اللي بعده، وأنا بفتح الباب، لقيت ساعي البريد ماسك ظرف قديم.
كان مكتوب عليه اسم أمي بخط غريب.
قلتله بهدوء:
“للأسف أمي توفت.”
قدملي التعازي ومشي.
قفلت الباب وفضلت أبص للظرف.
كان فيه حاجة مريبة.
فتحته…
وأول ما قريت اللي مكتوب جواه، الدم جمد في عروقي.
“إنتِ حرامية… رجعي اللي سرقتيه لو عندك ضمير.”
شهقت:
“إيه ده؟!”
في اللحظة دي نزل كريم من فوق وسألني:
“مالك؟”
ناولته الجواب.
قراه واتفاجئ:
“حرامية؟! والدتك؟”
قلت بعصبية:
“مستحيل. أمي كانت أشرف إنسانة أعرفها.”
بص للعنوان المكتوب في آخر الجواب وقال:
“طب ما نروح نشوف أصحاب الرسالة دي ونفهم الحكاية.”
ورغم رفضي للفكرة، وافقت في الآخر علشان أثبت إن أمي بريئة…
ركبنا العربية وسافرنا لحد العنوان المكتوب في الجواب.
أول ما وصلنا، لقينا قصر ضخم جدًا، باين عليه إنه كان فخم في يوم من الأيام، لكن دلوقتي مهمل ومهجور.
الشجر طالع في كل حتة، والدهان واقع من على الحيطان.
خبطنا على الباب.
بعد ثواني فتحت لنا ست أنيقة جدًا، لابسة هدوم غالية ومهندمة من أولها لآخرها.
بصتلي ببرود وقالت:
“أقدر أساعدكم؟”
قلت بتردد:
“حضرتك اسمك إيرين؟”
هزت راسها.
“أنا سارة… وبخصوص الجواب اللي بعتيه لأمي.”
ملامحها اتغيرت فورًا.
فضلت تبصلي شوية، وبعدها فتحت الباب وقالت:
“اتفضلوا.”
دخلنا مكتب كبير مليان كتب قديمة وأثاث فخم.
قعدت قدامنا وقالت:
“أبويا كان رجل أعمال غني جدًا اسمه شارل.”
سكتت لحظة وبعدين كملت:
“في آخر سنينه صحته العقلية بدأت تضعف. وقتها أمك اشتغلت عنده كممرضة ومساعدة شخصية.”
كنت بسمع وأنا متوترة.
قالت:
“في الأول كلنا حبيناها. كانت طيبة ومجتهدة.”
بعدها ضيقت عينيها وقالت:
“لكن اكتشفنا إنها استغلت ضعف أبويا.”
اتسمرت مكاني.
“إزاي؟”
قالت بحدة:
“خلته يقتنع إنها بنته، وخلال الشهور الأخيرة من حياته غير وصيته واداها نص ثروته.”
صرخت:
“مستحيل!”
لكن الست كملت وكأنها ما سمعتنيش.
“وبعد ما مات، اختفت بالفلوس وسابتنا نواجه مشاكلنا لوحدنا.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
كل الأسئلة اللي كنت بسألها لأمي زمان رجعت تدور في دماغي.
ليه كانت بتهرب من الإجابة؟
ليه عمرها ما حكت أصل الورث؟
ولأول مرة بدأت أشك.
كريم حط إيده على كتفي وقال:
“يمكن لازم نعرف الحقيقة كلها.”
رجعنا البيت وأنا تايهة.
لكن وأنا قاعدة هناك، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كريم كان بيتحرك في القصر وكأنه حافظ المكان.
وكان بينادي على الخدم بأسمائهم.
كأنه زار البيت قبل كده.
سألته مباشرة:
“إنت جيت هنا قبل كده؟”
اتوتر للحظة وقال بسرعة:
“لأ طبعًا.”
لكن طريقته ما أقنعتنيش.
وفي الليلة دي، وأنا بدور في خزنة أمي القديمة، لقيت رزمة خطابات مربوطة بشريط قديم.
بدأت أقلب فيها.