اختفى خطيبي قبل فرحنا بأسبوع وسابلي خمس أطفال… وبعد 30 سنة محامي خبط على بابي وقال: “دي وصية لازم توصلك النهارده”

لمحة نيوز

بدأ يدق بسرعة.
وأنا بقرا كل كلمة.
روحت لدكتور متخصص من غير ما أقول لحد.
كنت فاكر إنها حاجة بسيطة.
لكن بعد الفحوصات، الدكتور قالي حاجة دمرت حياتي.
سكت لحظة.
وبعدين كملت.
مرض عصبي نادر.
سريع جدًا.
ومفيش علاج ليه.
حطيت إيدي على بقي.
والدموع نزلت أكتر.
ولادي بصوا لبعض بصدمة.
أما أنا فحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كمل أحمد
الدكتور قالي إني غالبًا هفقد ذاكرتي خلال شهور.
وبعدها هبدأ أفقد قدرتي على الحركة والكلام.
وشخصيتي نفسها هتتغير.
في اللحظة دي افتكرت مراتي الأولى وهي بتموت قدام عيني يوم ورا يوم.
وافتكرت نظرات الخوف في عيون الأطفال.
ومقدرتش أعمل فيهم كده مرة تانية.
سارة بدأت تعيط.
ومحمود نزل راسه للأرض.
أما أنا
فكنت حاسة إن قلبي بيتقطع.
لأن الراجل اللي كنت فاكرة إنه هرب
كان بيعيش أسوأ كابوس ممكن.

كملت القراءة.
بس المرض مكانش المشكلة الوحيدة.
تكاليف العلاج كانت ضخمة جدًا.
والتأمين رفض يغطي أغلبها.
والديون بدأت تتراكم.
ولو اتجوزنا وقتها، كنتِ هتبقي مسئولة قانونيًا عن جزء كبير منها.
وكل اللي بنيناه كان هينهار.
البيت.
مستقبل الأطفال.
وحتى حقك في تبنيهم.
شهقت وأنا بقرا.
لأول مرة بدأت أفهم.
بعض الصورة على الأقل.
لكن لسه في جزء ناقص.
ليه ماقاليش الحقيقة؟
ليه ماادانيش فرصة أقرر بنفسي؟
وكأن أحمد كان سامع سؤالي.
لأن السطور اللي بعدها جاوبتني.
عارف إنك كنتي هتقولي هنواجهها سوا.
وعارف إنك كنتي هتتمسكي بيا.
وده بالضبط السبب اللي خلاني أمشي.
أنا كنت أضعف من إني أشوفك بتضحي بعمرك عشاني.
وأضعف من إني أشوف الأطفال بيتفرجوا على موتي البطيء للمرة التانية.
فاخترت إنك تكرهيني.
لأن الكراهية أسهل من الفقد.
في اللحظة دي مقدرتش أكمل.
انهرت.
فضلت أعيط سنين كاملة مختزلة في دقائق.
تلاتين سنة من الغضب والأسئلة والوجع
بدأت تتفكك قدامي.

بعد شوية، أخدت نفس عميق وكملت.
دخلت مؤسسة رعاية في ولاية بعيدة تحت اسم مختلف.
لكن عمري ما سبتكم.
كل سنة كان المحامي يبعتلي صوركم.
صورة لأول يوم مدرسة.
صورة نجاح سارة.
صورة محمود وهو بياخد أول ميدالية.
صورة لينا يوم التخرج.
وصور التوأم في كل عيد ميلاد.
كنت بعلق الصور على الحيطان حواليا.
لحد ما بقيتوا أنتم العالم كله بالنسبة ليا.
دموعي نزلت أكتر.
وأنا متخيلة راجل قاعد لوحده في أوضة صغيرة.
مستني صورة جديدة.
ومستني يعرف إن أولاده بخير.
من بعيد.
من غير ما يقدر يلمسهم.
ولا يحضنهم.
ولا يسمع صوتهم.

لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن آخر جزء من الرسالة كان مرفق معاه مجموعة أوراق بنكية.
وأول ما بصيت فيها
اتسعت عيني من الذهول.
أرقام كبيرة جدًا.
أكبر من أي حاجة شفتها في حياتي.
ورجعت بسرعة للرسالة.
وكان أحمد كاتب
قبل ما أمشي، بعت قطعة أرض صغيرة كانت ورث من جدي.
الناس كلها وقتها قالت إني مجنون.
لكن حطيت الفلوس في صندوق استثماري طويل المدى.
وطلبت من المحامي ميقربش منه لمدة تلاتين سنة كاملة.
لو الرسالة وصلتلك، يبقى الوقت خلص.
والفلوس دي بقت ليكي إنتِ ولأولادنا الخمسة.
بصيت في الورق مرة تانية.
وشعرت إني مش مصدقة.
المبلغ كان بالملايين.
ملايين فعلًا.
مبلغ يغير مستقبل العيلة كلها.
لكن الغريب
إني في اللحظة دي مكنتش بفكر في الفلوس خالص.
كل اللي كنت بفكر فيه
إن أحمد مات وهو فاكر إني بكرهه.
وإنه عمره ما عرف إني رغم وجعي
عمري ما بطلت أحبه.
سادت لحظة صمت طويلة بعد ما خلصت الجزء ده من الجواب.
محدش كان بيتكلم.
حتى الأطفال الصغيرين حسوا إن في حاجة كبيرة بتحصل.
بصيت حواليّا.
لقيت ولادي الخمسة قاعدين قدامي.
العيال اللي كانوا يوم من الأيام مرعوبين ومكسورين.
بقوا دلوقتي رجالة وستات ناجحين.
وكل واحد فيهم دموعه في عينيه.
محمود كان أول واحد يتكلم.
قال بصوت مخنوق
يعني بابا ما سابناش؟
بلعت ريقي بالعافية.
وهزيت راسي.
لا يا حبيبي هو ما سابكوش.
سارة انفجرت في البكا.
وقالت
طول عمري فاكرة إنه اختار يمشي.
لينا مسحت دموعها وقالت
وأنا كنت فاكرة إنه نسيّنا.
بصيت للرسالة في إيدي.
وقلت بهدوء
واضح إنه عمره ما نسي حد فينا.

كان فاضل صفحة أخيرة.
صفحة مطوية لوحدها.
فتحتها ببطء.
وكان أول سطر فيها
دي مش رسالة ليكي لوحدك يا نهى دي رسالة لأولادي كمان.
قرب الخمسة أكتر.
وبدأت أقرا بصوت عالي.
إلى سارة، ومحمود، ولينا، وكريم، وكريمة
لو بتسمعوا الكلام ده، فأنا آسف.
آسف إني ماكنتش موجود في حفلات التخرج.
آسف إني ماحضرتش أفراحكم.
آسف إني ماعرفتش أشيل أحفادي بين إيديا.
لكن صدقوني مفيش يوم عدى عليا من غير ما أفكر فيكم.
بدأت شهقات البكا تعلى في الأوضة.
وأنا نفسي كنت بالكاد قادرة أكمل.
كنت بشوف صوركم وأفتخر بيكم.
وكل مرة المحامي كان يبعتلي خبر نجاح واحد فيكم، كنت بحس إني لسه أب.
حتى لو من بعيد.

كملت.
لكن أهم حاجة لازم تعرفوها
إن أمكم الحقيقية مش أنا.
رفع الكل عينه بسرعة.
وأكمل الجواب
الأب ممكن يجيب طفل للدنيا.
لكن الأم هي اللي تربيه.
والست اللي ضحت بشبابها ومستقبلها عشانكم
واللي سهرت على مرضكم.
وفرحت لنجاحكم.
وبكت على وجعكم.
هي أمكم بكل معنى الكلمة.
لو في حد يستحق حبكم وامتنانكم
فهي نهى.
في اللحظة دي مقدرتش أقرأ أكتر.
انهرت تمامًا.
وسندت وشي بإيديا.
لأن كل السنين الصعبة عدت قدامي مرة واحدة.
كل ليلة كنت بخاف فيها من بكرة.
كل فاتورة مكنتش عارفة هدفعها إزاي.
كل مرة كنت بمثل القوة وأنا من جوايا منهارة.
كل ده أحمد شافه.
وعرفه.
وقدّره.

وفجأة حسيت بإيدين حوالين كتافي.
رفعت راسي.
لقيت سارة بتحضني.
وبعدها محمود.
وبعدين لينا.
وبعدين التوأم.
وفي ثواني كنت متحاوطه بولادي الخمسة.
كلهم بيعيطوا.
وكلهم بيحضنوني.
قالت سارة وسط دموعها
إنتِ أحسن أم في الدنيا.
وقال محمود
ولو رجع الزمن ألف مرة هنختارك برضه.
أما لينا فقالت
إحنا محظوظين بيكي.
وفي اللحظة دي
حسيت إن كل التعب راح.
كأن ربنا كان مستني اللحظة دي بالذات عشان يطبطب على قلبي بعد تلاتين سنة.

بعدها فتحنا آخر ظرف كان مع الأوراق.
وكان فيه تسجيل صوتي.
بصراحة كنت خايفة أشغله.
لأن دي أول مرة هسمع صوت أحمد من تلاتين سنة.
لكن شغلناه.
ولأول مرة من عقود
ملى صوته البيت.
كان أضعف من زمان.
وأكبر سنًا.
لكن لسه هو.
قال
لو
بتسمعوا التسجيل ده
يبقى خطتي نجحت.
وضحك ضحكة خفيفة.
ثم كمل
نفسي أشوف وشوشكم دلوقتي.
ضحكنا وسط دموعنا.
وقال
متزعلوش مني زيادة عن اللزوم.
أنا بس حاولت أحمي الناس اللي بحبهم.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
ولو في حاجة واحدة اتعلمتها من حياتي
فهي إن الحب الحقيقي مش دايمًا بيقرب الناس من بعض.
أوقات بيخليهم يضحوا بحاجات مستحيل يتخيلوا إنهم يقدروا يعيشوا من غيرها.

وفي نهاية التسجيل قال آخر جملة
نهى
تجمدت مكاني.
شكرًا.
شكرًا إنك أنقذتي أولادي.
وشكرًا إنك أنقذتي حياتي أنا كمان.
بحبك.
ثم انتهى التسجيل.

بعد شهور قليلة، اجتمعت العيلة كلها في الجنينة.
أولادنا.
وأحفادنا.
والأحفاد الصغيرين اللي كانوا بيجروا بين الكراسي.
وفي وسط الضحك والكلام
زرعنا شجرة كبيرة.
وحطينا تحتها لوحة صغيرة مكتوب عليها
أحمد
الأب الذي أحب عائلته حتى آخر نفس.
وقفت أبص للشجرة وهي بتتحرك مع الهوا.
وابتسمت.
لأول مرة من تلاتين سنة.
لأن السؤال اللي كان بيصحيني كل ليلة
لقي أخيرًا إجابته.
أحمد ما سابناش.
أحمد كان بيحبنا لدرجة إنه ضحى بنفسه كلها علشان يحمينا.
وساعات
أقسى قرار ممكن إنسان ياخده
بيكون هو نفسه أكبر دليل على الحب.
تمت.

تم نسخ الرابط