بعد ولادة بنتي بساعات، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة عدت وإننا نجونا بمعجزة…
معاهم اتكلمت بصوت حنين وقالت له الصدمات من النوع ده بتأثر على الناس بطرق مختلفة. واللي أنت حاسس بيه ده طبيعي جداً ومتكرر عند الآباء اللي بيحضروا ولادات صعبة وخطيرة لزوجاتهم.
الدموع كانت مغرقة وشه وهو بيقول أنا بحب مراتي وبموت في بنتي.. بس لما ببص لليلى، كل اللي بيجي في بالي هو إني كنت خلاص هخسر جميلة. بخاف أقرب منها أو أتعلق بيها أوي، فأرجع أخسرها وكل حاجة تضيع مني.
الدكتور أو قائد المجموعة رد عليه بلطف الخوف ده رد فعل طبيعي جداً بعد الصدمة. أنت مش مريض ولا فيك عيب.. أنت بتتعافى.
أنا قعدت على الأرض بره وسندت ضهري على الحيطة، والدموع نازلة من عيني مغرقاني. الموضوع مكنش خيانة ولا زهق مننا.. الموضوع كان عبارة عن راجل اتكسر جواه شيء من الرعب لأنه كان هيفقد عيلته كلها في لحظة.
فضلت قاعدة ومستمعة لرامي وهو بيحكي أكتر. اتكلم عن الكوابيس اللي بتجيله كل يوم، وعن عقله اللي مش واقف عن إعادة شريط الولادة كل دقيقة. واعترف إنه كان بيخاف يضم ليلى لصدوره عشان خايف توتره وقلقه يتنقلوا للبنت الصغيرة.
قال أنا مش عايزها تحس بخوفي وقلقي.. بفضل أكون بعيد شوية لحد ما أتعافى وأقدر أكون الأب اللي تستاهله فعلاً.
مسؤول المجموعة اقترح عليه وقاله أنت مش لازم تشيل الشيلة دي لوحدك.. فكرت تشارك جميلة في اللي حاسس بيه؟
رامي هز رأسه بالرفض وقال هي كانت بتموت.. مش ناقصة تشيل همي وتزعل عليا كمان.
الكلام ده قطع في قلبي.. رامي كان شايل الجبل ده كله فوق كتافه لوحده عشان يحميني.
خطوة نحو الشفاء
تاني يوم الصبح، بعد ما رامي نزل الشغل وليلى نامت، مسكت التليفون وكلمت المركز.
قلت لموظفة الاستقبال جوزي بيحضر عندكم مجموعة الدعم النفسي.. هل ينفع أنا كمان أشارك أو أكون متواجدة؟
الموظفة ردت عليا بمنتهى الذوق والترحيب أكيد طبعاً، إحنا عندنا مجموعة مخصصة لزوجات وأطراف العلاقة يوم الأربعاء بالليل، تنورينا.
قلت لها على طول تمام، هكون عندكم.
يوم الأربعاء، سبت ليلى مع أختي، ورحت الاجتماع. كان فيه حوالي تمان ستات تانيين، وملامح وشوشهم كانت مراية للي كنت حاسة بيه؛ نفس الحيرة، ونفس الوجع والتساؤلات.
لما جه دوري عشان أتكلم، قلت أنا جميلة. جوزي بيجي هنا بسبب الصدمة اللي عاشها وقت ولادة بنتنا. بس أنا اكتشفت إني أنا كمان محتاجة مساعدة.. كنت حاسة إني تايهة ولوحدي تماماً.
واحدة من الستات ابتسمت لي بطمأنينة وقالت أنتِ مش لوحدك.. صدمات الولادة بتصيب الأب والأم مع بعض، مش طرف واحد بس.
خلال القعدة، عرفت وفهمت إن اللي بنمر بيه أنا ورامي هو نوع من اضطراب ما بعد الصدمة PTSD. البعد، الخوف، الكوابيس.. كل دي كانت طرق عقل رامي عشان يحمي نفسه من الألم ويستوعب اللي حصل.
مسؤولة المجموعة شرحت لنا وقالت الحاجة المطمئنة، إن بالدعم والنقاش المفتوح والصادق بين الزوجين، الكابلز بيقدروا يتخطوا ده، والعلاقة بترجع أقوى من الأول بكتير.
ولأول مرة من أسابيع، حسيت بنور وأمل جوايا.
العودة إلى النور
بالليل، قعدت مستنية رامي لحد ما رجع البيت. أول ما دخل وشافني صاحية ومستنياه وأنا شايلة ليلى على إيدي، اتفاجئ.
قلت له بصوت هادي وحنين رامي.. إحنا لازم نتكلم.
وشه جاب ألوان وقالي بتلعثم جميلة.. أنا..
قاطعته براحة وقلت أنا عارفة كل حاجة.. أنا مشيت وراك وعرفت موضوع مجموعة الدعم.
قعد على أقرب كرسي وكأنه جبل وانزاح من على ضهره وقال مكانش قصدي أوجعك أو أشيلك همي.
قربت منه وقعدت جمبه وقلت له إحنا مع بعض في الحلوة والمرة.. وهنعدي المحنة دي سوا وإيدنا في إيد بعض.
بالراحة وببطء شديد، رامي بص لوش ليلى.. لأول مرة يبص لها بجد ومن قلب عينه. همس وهو بيلمس إيدها الصغيرة وصوابعها الرفيعة أنا كنت مرعوب وميت من الخوف لأخسركم أنتوا الاتنين.
قلت له وأنا بطبطب عليه الخوف ده مش هتعيشه لوحدك تاني خلاص.
دلوقتي، بعد مرور شهرين، إحنا بنحضر جلسات علاج نفسي كزوجين مع بعض. رامي بقى كل يوم الصبح يصحى ويشيل ليلى ويضمها، وبيبص في وشها بكل الحب والدفء اللي في الدنيا ومن غير أي خوف.
ومشهد رامي وهو حاضن بنتنا، دايماً بيفكرني إن حتى أشد الأوقات ضلمة، بيجي بعدها النور ويملا حياتنا من تاني.