بعد ولادة بنتي بساعات، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة عدت وإننا نجونا بمعجزة…
بعد ولادة بنتي بساعات، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة عدت وإننا نجونا بمعجزة
لكن أول مرة جوزي شالها بين إيديه، اتغير وشه فجأة، ورجعها لي بسرعة كأنه لمس نار!
ومن يومها، بقى يهرب من الصور، ويتجنب يبصلها في وشها، ويختفي كل ليلة بعد نص الليل من غير ما يقولي رايح فين
لحد الليلة اللي قررت أمشي وراه فيها، واكتشفت السر المرعب اللي كان بيخبيه عني.
كنت فاكرة إن الولادة هي أصعب مرحلة في رحلة الأمومة، لكن اتضح إني كنت غلطانة تماماً.
ولادتي استمرت 18 ساعة كاملة من التعب والإرهاق، والمضاعفات كانت بتظهر ورا بعض من غير توقف. ضغط دمي علي بشكل مرعب وفجأة هبط بدون أي إنذار. ضربات الأجهزة المنتظمة في الأوضة تحولت فجأة لإنذارات حادة وسريعة، ولمحت الدكاترة والممرضات وهم بيبادلوا بعض نظرات صامتة ومليانة قلق وخوف.
في اللحظة دي، الدكتورة منى اتكلمت بنبرة حاسمة وسريعة لازم نعمل ولادة فوراً، مفيش وقت.
مسكت إيد جوزي رامي بكل قوتي لدرجة إني أكيد وجعته. كان عمال يكرر ودموعه نازلة خليكي معايا يا جميلة.. أرجوكي خليكي معايا، أنا مش هقدر أكمل من غيرك.
وفجأة كل حاجة اسودت حواليا. الوجع اختفى، والأصوات بدأت تتلاشى، وحسيت بنفسي وبتروح مني. لكن بشكل ما، قدرت أتمسك بالحياة.. يمكن بسبب صوت رامي اللي كان لسه في ودني، أو يمكن لأني كنت مصممة ومستنية أشوف بنتنا.
المواجهة الأولى مع الصدمة
لما فقت بعد ساعات طويلة، لقيت رامي قاعد جمبي وشكله كان منتهي تماماً. عيونه كانت ورمة من كتر العياط، وشعره منكوش، وكأنه كبر في السن عشر سنين في ليلة واحدة.
قال لي بصوت واطي ومبحوح البنت وصلت.. زي الملاك.
الممرضة دخلت وحطت بنتنا بين إيديا.. ليلى، كان وزنها يدوبك تلاتة كيلو وحاجة بسيطة، وكانت زي القمر.
سألته مش عايز تشيلها؟
رامي هز رأسه وأخدها مني بحذر شديد، لكن أول ما بص في وشها، ملامحه اتمطفت فجأة. الفرحة اختفت من وشه وحل مكانها تعبير غريب مش قادرة أفهمه. بص لها نظرة سريعة جداً ورجعهالي تاني.
وقال بنبرة باهتة ومفيش فيها أي روح جميلة أوي.. شبهك يا جميلة.
في الأول، قلت لنفسي ده أكيد من التعب والإرهاق، إحنا الاتنين مرينا بليلة مرعبة. لكن لما رجعنا البيت، تصرفاته بدأت تقلقني بجد.
رامي كان بيتجنب تماماً يبص في وش ليلى بشكل مباشر. كان بيساعد في كل حاجة؛ يغير لها البامبرز، يعمل لها الببرونة، بس عينه دايماً كانت بتبقى باصة فوق وشها أو في أي اتجاه تاني. وكل ما أجي أخد لقطة أو صورة ليهم مع بعض، كان بيتحجج بأي حاجة ويقوم يسيب الأوضة فوراُ.
كان يقول مثلاً هقوم أشوف حاجة في البلكونة، أو هقوم أجهز العشا.
بعد أسبوعين، الموضوع زاد عن حده ومبقاش ينفع يتسكت عليه. صحيت في ليلة لقيت السرير فاضي، وسمعت صوت باب الشقة بيتقفل براحة شديدة. أول مرة قلت عادي، لكن لما الموضوع ا تكرر لخامس ليلة ورا بعض، عرفت إن فيه حاجة غلط بجد.
تاني يوم الصبح على الفطار سألته عادي جداً أنت نزلت فين امبارح بالليل؟
رد وهو بيبص في الطبق وبيتفادى عيني مستكنيش نوم.. فنزلت أتمشى بالعربية شوية.
في اللحظة دي قررت إني لازم أعرف الحقيقة بنفسي.
تتبع السر
البلية اللي بعدها، عملت نفسي نايمة. وعلى نص الليل كالعادة، حسيت بيه وهو بيقوم براحة وبيتسحب ويخرج من البيت. ضربات قلبي كانت سريعة جداً، قمت بسرعة لبست هدومي، وأخدت مفاتيحي، ونزلت وراه بالعربية وفضلت ماشية وراه من بعيد لبعيد عشان ما يلاحظنيش.
فضل سايق يجي ساعة كاملة، خرج بره منطقتنا خالص ودخل في شوارع غريبة عمري ما شوفتها. وفي الآخر، دخل في ركنة عربيات تابعة لمبنى قديم ومتهالك، وكان فيه يافطة منورة بتطفى وتشتغل مكتوب عليها مركز الأمل للدعم النفسي.
ركنت عربيتي بعيد شوية وقعدت أراقبه. فضلت قاعد جوه عربيته حبة حلوين، وكأنه بيجمع شجاعته، وبعدين نزل ودخل المبنى.
عقلي طار وبقيت عمالة أفكر في كل الاحتمالات هل هو عيان بمرض خطير ومخبي عليا؟ ولا في حياته واحدة تانية؟
قربت من المبنى براحة ووقفت تحت شباك موارب سنة صغيرة، وسمعت صوت طالع من جوه.
كان فيه راجل بيتكلم وبيقول أصعب جزء.. إنك تبص في وش ابنك أو بنتك، وتفتكر اللحظة اللي كنت هتخسر فيها كل حاجة في دنيتك.
أنا جسمي اتجمد في مكاني.. الصوت ده كان صوت رامي!
بصيت من الشباك بحذر، لقيت مجموعة صغيرة من الناس قاعدين في دايرة، ورامي كان قاعد وسطهم، موطي رأسه وكتافه بتهتز من كتر العياط.
كمل رامي كلامه وهو مخنوق أنا مش قادر أنسى المشهد، كل شوية بيتكرر قدام عيني. بشوف مراتي وهي بتتألم، والدكاترة بيجروا حواليها وهي بتموت، وأنا واقف عاجز وسامع صوت إنذار الأجهزة وفي نفس الوقت شايل بنتي في إيدي ومش عارف هل أمها هتعيش ولا لأ؟ كل ما ببص لوش بنتي ليلى، برجع للحظة المرعبة دي تاني.
فيه ست قاعدة